رجوع
هل تستطيع القوة أن تصنع الحقيقة؟

هل تستطيع القوة أن تصنع الحقيقة؟

 

الشيخ معتصم السيد أحمد

 

يعيش الإنسان المعاصر واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ الوعي البشري؛ ليس لأن العالم أصبح أكثر عنفاً أو أكثر تقدماً فحسب، بل لأن الصراع لم يعد يدور فقط حول من يملك الأرض أو الاقتصاد أو السلاح، وإنما حول سؤال أكثر عمقاً: من يملك حق تفسير الواقع؟ ومن يملك سلطة تعريف الخير والشر، والعدالة والظلم، والحرية والقمع، والحقيقة نفسها؟

 

لقد كانت القوة عبر التاريخ تحاول دائماً أن تتجاوز حدودها الطبيعية. فوظيفتها الأصلية أن تفرض واقعاً معيناً، لكنها في كثير من الأحيان لا تكتفي بذلك، بل تسعى إلى أن تجعل هذا الواقع يبدو وكأنه الحقيقة الوحيدة الممكنة. ومن هنا لم يعد السؤال: من الأقوى؟ بل أصبح: هل يستطيع الأقوى أن يحدد وحده ما الذي يجب أن يراه الناس حقاً؟

 

وهنا يولد السؤال الذي يبدو بسيطاً في ظاهره لكنه يمسّ جوهر الأزمة الحضارية المعاصرة: هل تستطيع القوة أن تصنع الحقيقة؟

 

قد يبدو للوهلة الأولى أن الجواب هو نعم. فحين تمتلك دولة أو منظومة ما الإعلام العالمي، والنفوذ الاقتصادي، والمؤسسات الدولية، والتفوق العسكري والتقني، فإنها تبدو قادرة على تشكيل العالم كما تريد. لكن التأمل الأعمق يكشف أن هناك خلطاً خطيراً بين ثلاثة أمور مختلفة: القدرة على فرض الواقع، والقدرة على تشكيل الإدراك، والقدرة على صناعة الحقيقة.

 

القوة تستطيع أن تفرض واقعاً. تستطيع أن تسيطر، وأن تمنع، وأن تعاقب، وأن تؤثر في موازين الأحداث. وهي تستطيع أيضاً أن تؤثر في الإدراك؛ فتجعل الناس ينظرون إلى الواقعة نفسها بعيون مختلفة، عبر الإعلام، والتعليم، والصورة، واللغة، والتكرار. لكن يبقى هناك مستوى ثالث مختلف تماماً: هل يمكن للقوة أن تجعل الشيء حقاً لمجرد أنها تملك القدرة على فرضه؟ وهل يصبح الظلم عدلاً إذا امتلك من يبرره منابر أكبر؟

هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

 

إن من أخطر التحولات التي يعيشها العالم اليوم أن الحقيقة لم تعد تُقدَّم بوصفها بحثاً عن الواقع، بل أصبحت تُدار أحياناً بوصفها نتاجاً للقوة. وكأن ما يُقال كثيراً بما يكفي يصبح حقيقة، وما يُخفى طويلاً يتوقف عن الوجود.

 

ولهذا تغيّرت طبيعة الصراع. لم تعد المعركة الأساسية على الوقائع نفسها، بل على تفسير الوقائع. لم يعد النزاع على ما حدث، بل على ما الذي ينبغي أن يعنيه ما حدث.

 

وقد كان يُفترض أن عصر الانفتاح الرقمي سيجعل الوصول إلى الحقيقة أسهل، وأن تعدد المنصات سيحدّ من الاحتكار. لكن الذي حدث في أحيان كثيرة هو العكس؛ فقد أصبح الإنسان محاطاً بفيض من المعلومات يجعله عاجزاً عن التمييز بين الخبر والرواية، وبين الواقع وتأويل الواقع.

ومن هنا أصبحت الهيمنة الثقافية أخطر من الهيمنة العسكرية.

 

فالهيمنة العسكرية تستطيع أن تُخضع الجسد، أما الهيمنة الثقافية فتسعى إلى إعادة تشكيل الوعي، بحيث لا يشعر الإنسان أنه خضع، بل يقتنع أن ما يُطلب منه هو عين العقل والأخلاق.

 

ولهذا لم تكن القوى الكبرى عبر التاريخ تكتفي بالتفوق، بل كانت تبحث دائماً عن سردية أخلاقية تمنح هذا التفوق شرعية. الإمبراطوريات القديمة تحدثت عن نشر النظام، والاستعمار الأوروبي تحدث عن التمدين، أما العصر الحديث فقد قدّم لغة أكثر جاذبية: الحرية، حقوق الإنسان، حماية القيم العالمية، الدفاع عن النظام الدولي.

 

والمشكلة ليست في هذه القيم نفسها؛ فالحرية والعدالة والكرامة الإنسانية قيم عظيمة لا يمكن الاستغناء عنها، وإنما المشكلة تبدأ حين تتحول هذه القيم من معايير إلى أدوات، ومن مبادئ إلى امتيازات، ومن حقوق عامة إلى لغة تُستخدم بانتقائية.

وعند هذه النقطة تبدأ الحقيقة بالانفصال عن القوة.

لأن القوة تستطيع أن تفرض الصمت، لكنها لا تستطيع أن تفرض الاقتناع إلى الأبد.

وهنا يمكن فهم بعض التحولات الكبرى التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة، والتي لم تكن مجرد أحداث سياسية، بل لحظات ثقافية كشفت حدود الهيمنة الأخلاقية المعاصرة.

 

لقد كشفت التموجات الكبرى التي رافقت ما جرى في غزة شيئاً أعمق من مجرد انقسام سياسي؛ كشفت أن جزءاً واسعاً من الرأي العام العالمي بدأ يطرح أسئلة لم تكن تُطرح بهذه القوة من قبل: هل المبادئ عالمية فعلاً أم أنها تخضع لموازين القوة؟ وهل حقوق الإنسان قيمة مستقلة أم أنها تُفعّل حيث توجد المصلحة وتُعلّق حيث تتغير الحسابات؟

 

لم يكن التحول الأهم في ما جرى داخل المؤسسات الرسمية، بل فيما جرى خارجها.

في الجامعات، وفي الحركات الشبابية، وفي النقاشات الثقافية، وفي موجات التضامن العابرة للحدود، ظهرت حالة من إعادة مساءلة السرديات الكبرى التي حكمت الوعي العالمي لعقود طويلة.

 

وهذا لا يعني أن العالم أصبح يتبنى الرؤية الإسلامية أو أنه غيّر موقعه الحضاري، لكنه يعني شيئاً مهماً: أن الإنسان حين يشعر أن الفجوة اتسعت بين الخطاب والواقع يبدأ بالبحث عن معيار آخر للحكم.

 

وهنا تظهر إحدى أهم الحقائق الثقافية في عصرنا: أن العالم لم يعد يُشكَّل فقط من فوق، بل أصبح يتشكل أيضاً من ضغط الوعي الشعبي ومن قدرة الإنسان على إعادة النظر في المسلمات.

ومن هنا يصبح ضرورياً ألا نقرأ بعض الصراعات المعاصرة فقط بمنطق الجغرافيا والسياسة، بل بمنطق أعمق يتعلق بسؤال الهيمنة وحدودها.

 

فالكثير من التوترات الكبرى اليوم تُقرأ أيضاً بوصفها مواجهة بين تصورين: تصور يرى أن امتلاك القوة يمنح صاحبه حق رسم حدود المسموح والممنوع للآخرين، وتصور آخر يقول إن امتلاك القوة لا يمنح حق احتكار الحقيقة.

 

ولهذا فإن جزءاً من حضور بعض النماذج المعاصرة في الوعي العالمي لا يعود فقط إلى الاتفاق معها أو الاختلاف معها، بل إلى ما تمثله من رفض لفكرة الإملاء.

 

وفي هذا السياق يمكن فهم جانب من حضور موقف إيران في جزء من الخطاب العالمي؛ ليس لأن الناس بالضرورة يتبنون جميع خياراتها أو رؤيتها، وإنما لأن كثيرين يرون في إصرارها كما تطرح هي نفسها على الدفاع عما تعتبره حقاً سيادياً وطبيعياً في تقرير خياراتها في مواجهة ضغوط تقودها قوى كبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة، نموذجاً يعيد طرح سؤال أعمق: هل يملك الأقوى حق رسم حدود الممكن للآخرين؟

وهذا السؤال لا يخص دولة بعينها، بل هو سؤال يتكرر في التاريخ بأشكال مختلفة.

 

إن كثيراً من التحولات التاريخية الكبرى لم تبدأ من انتصار القوة، بل من صمود فكرة.

فالحق لا ينتصر دائماً لأنه يملك القوة أولاً، بل لأنه يملك القدرة على البقاء حتى تتغير موازين القوة.

ولو كانت القوة وحدها تصنع الحقيقة لما تغيّر التاريخ، ولما سقطت إمبراطوريات، ولما بقيت أفكار نجت من قرون من القمع.

 

ومن أخطر الأخطاء التي يقع فيها الإنسان أن يربط الحق بنتائج اللحظة.

فالنتائج السياسية والعسكرية ليست دائماً المقياس النهائي للحقيقة، كما أن التأخر لا يعني البطلان، والغلبة المؤقتة لا تعني الشرعية.

 

وهنا تأتي الرؤية الإسلامية لتقدم معالجة مختلفة.

فالقرآن لا يربط الحق بالكثرة، ولا يجعل الغلبة دليلاً على الشرعية، ولا يقدّم التاريخ بوصفه انتصاراً دائماً للأقوى، بل بوصفه ميدان ابتلاء، وساحة تداول، وامتحاناً يكشف مع الزمن حدود القوة وحدود الإنسان.

ولهذا نجد أن القرآن يكرر الحديث عن أن الأيام تُداول بين الناس، وأن السنن تعمل حتى لو بدا الواقع في لحظة ما منحازاً إلى جهة دون أخرى.

 

إن منطق القرآن لا يقول إن الحق ينتصر لأنه الأقوى، بل إن القوة التي تنفصل عن الحق تبدأ من داخلها بحمل عوامل تآكلها.

ومن هنا فإن مقاومة الهيمنة ليست بالضرورة فعلاً عسكرياً أو سياسياً، بل قد تكون في جوهرها فعلاً ثقافياً: أن يحتفظ الإنسان بحقه في النظر، وفي السؤال، وفي ألا يسمح للقوة أن تحدد له وحدها معنى الحقيقة.

 

وفي نهاية المطاف، فإن السؤال ليس: هل تستطيع القوة أن تصنع الحقيقة؟

بل السؤال الأدق: إلى متى تستطيع القوة أن تؤخر ظهور الحقيقة؟

أما الحقيقة نفسها، فقد تُحاصر، وقد تُشوَّه، وقد يُدفع الناس إلى الخوف منها أو إلى تجاهلها، لكنها لا تُخلق بأمر القوة، ولا تموت بزوال الاهتمام بها.

وهذه واحدة من أعمق سنن التاريخ: أن القوة تستطيع أن تدير المشهد زمناً، لكنها لا تستطيع أن تحتكر المعنى إلى الأبد.

مشاركة: