رجوع
صراع الفطرة والتكنولوجيا: هل تقف البشرية على أعتاب "نهاية الإنسان"؟

صراع الفطرة والتكنولوجيا: هل تقف البشرية على أعتاب "نهاية الإنسان"؟

 

الشيخ مصطفى الهجري

 

إن الناظر في سنن الاستخلاف البشري يدرك أن التاريخ مجرى غير منقطع من الأحداث، تتعرض فيه المجتمعات لتغيرات بطيئة في العادة، لكن بين الحين والآخر تبرز ظاهرة معينة تُحدث زلزالاً في بنية الوعي الإنساني. وفي الماضي، كان يُقاس مقدار تأثير أي ظاهرة في مجرى التاريخ على حجم التغيير وسرعته في المجتمع، «كمقدار ما أثره انتشار المسيحية أو الإسلام من تغييرات ثقافية وحضارية كبيرة، أو ما أثرته الثورة الصناعية في أوروبا».

 

غير أننا في زماننا الحاضر، نشهد وتيرة تسارع اجتماعي غير مسبوقة. والمفارقة هنا أن المولدات الكبرى لهذا التغيير لم تعد دينية أو فلسفية خالصة؛ فلم تظهر خلال القرنين الماضيين أديان جديدة، بل إن المحرك الأساسي بات «التكنولوجيا وآثارها، والتي ألقت بظلالها على سلوك الأفراد والمجتمعات». هذا التحول الجذري يضع العقل المسلم، والمفكر المعاصر عموماً، أمام تحدٍ وجودي وأخلاقي غير مسبوق: تحدي الحفاظ على "الفطرة" الإنسانية.

 

العبودية البيولوجية: عودة الطبقية في ثوب جيني

لطالما سعت الشريعة الإسلامية عبر مقاصدها إلى حفظ "النسل" و"النفس"، والمساواة بين البشر على أساس التقوى لا الخصائص العرقية أو الجسدية. لكن الثورة البيوتكنولوجية اليوم تهدد بنسف هذه الأسس. إن ما يخشاه علماء الاجتماع المعاصرون ليس مجرد تطور الآلات، بل ارتداد هذا التطور إلى هندسة الإنسان نفسه.

 

في هذا السياق، يعتبر المفكر فرانسيس فوكوياما في كتابه "نهاية الإنسان: عواقب الثورة البيوتكنولوجية" شاهداً من أهل العصر على هذا الخطر. فالقضية لم تعد قاصرة على علاج الأمراض، بل تتجاوزها إلى التلاعب المتعمد بالجينات لإنتاج «الإنسان المحسن» أو ما يُطلق عليه "السوبر مان". وكما يشير البحث المتداول حول هذه الظاهرة، فإن هناك خطراً حقيقياً، خاصة «مع زيادة عمليات الاستنساخ البشري الذي تقوم به الصين حالياً بصورة علنية وقد يشاركها غيرها في السر».

 

هذا العبث لا يُنذر فقط بتغيير في القدرات، بل بتمزيق النسيج الاجتماعي البشري، بحيث «يغدو العالم وفيه طبقتان من البشر تستغل إحداهما الأخرى، وقد تتكرر تجربة الإنسان العاقل مع النياندرتال». إننا أمام سيناريو مرعب تتحول فيه الفجوة بين الأغنياء والفقراء من فجوة اقتصادية إلى «فجوة بين "البشر المحسّنين" و"البشر العاديين"»، حيث يصبح التميز الجيني حكراً على من يملك المال، مما يعيد إحياء الجاهلية الأولى، ولكن هذه المرة بأسلحة بيولوجية متطورة.

 

وهم الكمال المادي وفقدان الجوهر الإنساني

لقد خلق الله الإنسان وفي طبيعته مزيج من القوة والضعف (وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا)، وهذا الضعف ليس نقصاً معيباً بقدر ما هو المساحة التي تتجلى فيها العبودية، والرحمة، والتكافل الاجتماعي، والارتقاء الروحي. لكن التكنولوجيا الحيوية تعدنا بوهم "الكمال المادي"، متجاهلة أن الإنسان كائن مركب من طين ونفخة من روح.

 

إن الانزلاق نحو هذا الكمال البيولوجي المزيف يطرح سؤالاً محورياً حول ماهيتنا: «هل نبقى كما نحن، بأخطائنا وضعفنا، أم نتحول إلى كائنات محسّنة خالية من العيوب، ولكن خالية أيضًا من الجوهر الإنساني؟».

إن محاولة إلغاء الألم، والضعف، والقصور البشري عبر التعديل الجيني، لا تعني سوى تجريد الإنسان من أهليته للابتلاء والاختبار (التكليف)، وتحويله إلى مجرد آلة بيولوجية أو أداة «للتجربة أو لتحقيق رغبات المجتمعات الثرية والنخبوية».

 

ضرورة الميثاق الأخلاقي لضبط مسار العلم

لا يدعو الإسلام أبداً إلى معاداة العلم أو التكنولوجيا؛ بل يحث على التداوي واستكشاف سنن الكون. لكنه يربط العلم بـ "الأخلاق" وبمفهوم "الاستخلاف"؛ فالإنسان مؤتمن على جسده وطبيعته وليس مالكاً مطلقاً لهما يحق له العبث بهما.

 

وكما يؤكد التحليل السوسيولوجي لهذه الثورة، فإن الحل «لا يكمن في رفض التكنولوجيا أو العودة إلى الوراء، بل في وضع حدود وضوابط أخلاقية وقانونية لاستخداماتها». إن البشرية اليوم بحاجة ماسة إلى حوار عالمي يستند إلى جذور أخلاقية راسخة وللإسلام هنا دور محوري في تقديم رؤية توازن بين تقدم العلم وحفظ كرامة الإنسان لضمان أن تبقى التكنولوجيا خادمة للبشرية جمعاء دون المساس بفطرتها.

 

في النهاية، تقف الإنسانية اليوم أمام مفترق طرق حاسم ومصيري، يضطرنا للإجابة عن تساؤل فوكوياما الذي يلامس صميم العقيدة والرؤية الكونية: «هل سنصبح آلهةً لأنفسنا، قادرين على تشكيل الحياة وفق رغباتنا، أم سنحافظ على هويتنا الإنسانية كما نعرفها، بما فيها من ضعف وجمال؟». إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كنا سنشهد عصراً جديداً من الرقي الإنساني، أم أننا نكتب بأيدينا الفصل الأخير من تاريخ "الإنسان" كما أراده الخالق.

 

 

مشاركة: