الشيخ معتصم السيد أحمد
كثيراً ما تُطرح الولاية في الخطاب الديني بوصفها قضية عقدية ترتبط بمجموعة من النصوص والأحداث التاريخية، أو بوصفها عنواناً خاصاً بالخلاف حول من يتولى قيادة الأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله. غير أن هذا الفهم ـ على أهميته ـ لا يكشف كل أبعاد الولاية وحقيقتها. فالولاية في جوهرها ليست قضية سياسية عابرة، ولا مسألة تاريخية تخص مرحلة معينة من التاريخ الإسلامي، وإنما هي حقيقة ترتبط ببنية الإنسان نفسه، وبالطريقة التي يعيش بها حياته، ويحدد من خلالها اتجاهه وموقعه وانتماءه في هذا العالم.
فالإنسان ليس كائناً يستطيع أن يعيش بلا انتماء، ولا أن يتحرك بلا مرجعية، ولا أن يصوغ حياته بمعزل عن المؤثرات والقيم والنماذج التي يتبعها. قد يظن بعض الناس أنهم أحرار من كل ولاء، وأنهم مستقلون عن كل سلطة معنوية أو فكرية، لكن التأمل العميق يكشف أن هذا الاستقلال المطلق مجرد وهم. فالإنسان بطبيعته كائن اجتماعي وثقافي، يتشكل وعيه من خلال ما يؤمن به، ومن خلال الأشخاص والأفكار والقيم التي يمنحها ثقته واتباعه. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل للإنسان ولاية أم لا؟ بل: لمن تكون ولايته؟
إن القرآن الكريم يلفت الانتباه إلى هذه الحقيقة عندما يقسم العالم إلى خطين متقابلين: خط الولاية الإلهية وخط الطاغوت. قال تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾. فالآية لا تتحدث عن فئة تمتلك ولاية وأخرى لا تمتلكها، بل تتحدث عن نوعين من الولاية. فالإنسان إما أن يكون متحركاً في إطار ولاية الحق، وإما أن يكون منقاداً ـ بصورة واعية أو غير واعية ـ إلى ولاية الباطل.
وهنا تتضح دلالة الآية الأخرى: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها﴾. فالقرآن لا يبدأ بالإيمان بالله ثم يذكر الطاغوت عرضاً، بل يجعل الكفر بالطاغوت شرطاً أساسياً في طريق الإيمان. لأن الإنسان لا يستطيع أن يجمع بين الولايتين، ولا يمكنه أن يسير في اتجاهين متعاكسين في الوقت نفسه. فلا بد من موقف حاسم يحدد الجهة التي ينتمي إليها، والخط الذي يتحرك ضمنه، والقيم التي يمنحها ولاءه وطاعته.
ومن هنا فإن الإيمان ليس مجرد تصديق ذهني بفكرة ميتافيزيقية مجردة. فلو كان الأمر كذلك لما كان هناك فرق كبير بين من يؤمن بالله نظرياً وبين من يعيش وفق إرادة الله ومنهجه. إن الإيمان الحقيقي يظهر عندما يتحول إلى ولاء عملي، وعندما يصبح لله حضور في اختيارات الإنسان ومواقفه وعلاقاته وانتماءاته. ولهذا لم يكن الصراع بين الأنبياء وأقوامهم مجرد صراع حول وجود الله أو عدم وجوده، بل كان في جوهره صراعاً حول الولاية.
ففي مواجهة فرعون لم يكن المطلوب من الناس أن يضيفوا اسماً جديداً إلى قائمة معتقداتهم، وإنما أن ينتقلوا من ولاية فرعون إلى ولاية الله التي يمثلها موسى عليه السلام. وكان التحدي الحقيقي أن يتخلوا عن السلطة التي تعودوا الخضوع لها، وأن ينحازوا إلى خط جديد يقوم على الحق والعدل والحرية. ولهذا فإن من كفر بفرعون وآمن بموسى لم يغير فكرة في ذهنه فحسب، بل غيّر الجهة التي ينتمي إليها، والخط الذي يحدد مسار حياته.
وهذا المعنى نفسه يتكرر في مختلف مراحل التاريخ الديني. فالقضية لم تكن بين موسى وفرعون كشخصين، بل بين نموذجين للحياة. ولم تكن بين إبراهيم والنمرود كشخصين، بل بين طريقين متناقضين في النظر إلى الإنسان والسلطة والحقيقة. وكذلك الأمر في التاريخ الإسلامي؛ فالمسألة لم تكن مجرد مقارنة بين علي ومعاوية، أو بين الحسين ويزيد، بل كانت اختياراً بين مشروعين مختلفين، وبين رؤيتين متعارضتين للدين والإنسان والمجتمع.
ومن هنا نفهم سر التركيز الكبير في النصوص الإسلامية على الولاية. فالمسألة ليست تفضيلاً عاطفياً لشخص على شخص، ولا تعبيراً عن انتماء تاريخي فحسب، بل لأنها تمثل نقطة الارتكاز التي تتشكل حولها بقية الخيارات. فالإنسان يشبه المسافر الذي يقف عند مفترق طرق؛ قد تكون أمامه طرق كثيرة، لكن اختياره للطريق الأول سيحدد وجهته النهائية. وكذلك الولاية، فإنها ليست تفصيلاً صغيراً في حياة الإنسان، بل هي الخيار الذي يحدد الاتجاه العام لحياته كلها.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يقع فيه الإنسان هو أن يتصور أنه خارج معادلة الولاية. فحتى الذي يرفض الدين، أو يرفض الأنبياء، أو يرفض المرجعيات الأخلاقية، لا يعيش بلا ولاية، وإنما يستبدل ولاية بولاية أخرى. فقد يصبح تابعاً لشهواته، أو لسلطة المال، أو للثقافة السائدة، أو للإعلام، أو للأيديولوجيات المختلفة. فالفراغ لا وجود له في حياة الإنسان؛ وإذا لم يملأه الحق ملأه شيء آخر.
ولعل هذه الحقيقة أكثر وضوحاً في عصرنا الحاضر. فالإنسان المعاصر يظن أنه أكثر حرية من أي وقت مضى، لكنه في الواقع يعيش تحت تأثير شبكات معقدة من السلطات الثقافية والإعلامية والاقتصادية. فهناك من يحدد له ما ينبغي أن يحب وما ينبغي أن يكره، وما يعتبره نجاحاً أو فشلاً، وما يعدّه تقدماً أو تخلفاً. ولهذا فإن معركة الولاية اليوم لم تعد مقتصرة على المجال السياسي، بل أصبحت حاضرة في الثقافة والإعلام والاقتصاد والتعليم وأنماط الحياة كلها.
وعندما نتحدث عن ولاية أولياء الله فإننا لا نتحدث عن أشخاص منفصلين عن هذا السياق العام، بل عن الامتداد الطبيعي لولاية الحق في التاريخ. فالأنبياء والأوصياء والأئمة لم يطلبوا من الناس ولاءً لشخوصهم بما هم أفراد، وإنما دعوهم إلى الولاء للمشروع الذي يحملونه، وإلى القيم التي يجسدونها، وإلى الطريق الذي يمثل إرادة الله في حياة الإنسان.
ولهذا كان أمير المؤمنين علي عليه السلام تجسيداً عملياً لمعنى الولاية. فهو لم يكن مجرد حاكم أو قائد سياسي، بل كان نموذجاً للحق في مواجهة المصالح، وللعدالة في مواجهة الامتيازات، وللصدق في مواجهة النفاق. ومن هنا كانت ولايته امتداداً لولاية الله ورسوله، لأن القضية لم تكن في شخص علي بما هو فرد، بل في الخط الذي يمثله والقيم التي يجسدها.
وعلى هذا الأساس يصبح الغدير أكثر من مناسبة تاريخية، ويصبح إعلاناً عن حقيقة إنسانية كبرى: أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بلا ولاية، وأن مصيره في الدنيا والآخرة يتحدد بالجهة التي يمنحها قلبه وعقله وطاعته وانتماءه. فمن والى الحق كان في طريق النور، ومن والى الباطل كان في طريق الظلمات، وما بينهما ليست منطقة حياد، لأن الحياة نفسها لا تعرف الحياد بين الاتجاهات الكبرى.
إن الولاية ليست تفصيلاً في الدين، لأنها ليست تفصيلاً في الإنسان. إنها التعبير عن الجهة التي يقف معها الإنسان عندما تتقابل الطرق، وعن النموذج الذي يختاره عندما تتصارع النماذج، وعن الحقيقة التي يمنحها ولاءه عندما تتعدد الأصوات. ولهذا كانت الولاية في الرؤية القرآنية والعقائدية ليست مجرد عقيدة من العقائد، بل مفتاحاً لفهم معنى الإيمان نفسه، ومعنى الانتماء، ومعنى السير في طريق الله.