رجوع
عاشوراء وسقوط وهم الحياد

عاشوراء وسقوط وهم الحياد

الشيخ معتصم السيد أحمد

من أكثر الأوهام انتشاراً في حياة الإنسان المعاصر وهم الحياد. كثيرون يتصورون أن الإنسان يستطيع أن يقف في منتصف الطريق بين الحق والباطل، لا ينحاز إلى ظالم ولا يدافع عن مظلوم، لا يشارك في صناعة الشر ولكنه لا يقاومه أيضاً، لا يصفق للباطل ولكنه يتركه يتمدد أمام عينيه، ثم يطمئن نفسه بأنه لم يفعل شيئاً يستحق المؤاخذة. والحقيقة أن هذا التصور يحتاج إلى مراجعة عميقة، لأن الحياد في القضايا الكبرى ليس دائماً فضيلة، بل قد يتحول أحياناً إلى صورة ناعمة من صور الانحياز، لا سيما حين يكون الصراع واضحاً بين ظالم ومظلوم، وبين حق يُراد له أن يُمحى، وباطل يريد أن يفرض نفسه بالقوة والخوف والتضليل.

وليس المقصود هنا أن يكون الإنسان متسرعاً في أحكامه، أو أن يدخل في كل نزاع بلا بصيرة، أو أن يتعامل مع الحياة بمنطق الاستقطاب الحاد الذي لا يرى إلا لونين فقط. فالتثبت مطلوب، والعدل واجب، والإنصاف قيمة لا يستغني عنها العقل ولا الدين. لكن الكلام هنا عن مرحلة أخرى، حين تتضح الحقيقة بما يكفي، وتنكشف وجوه الباطل، ويصبح الصمت نفسه موقفاً له أثره. في هذه اللحظة لا يعود الحياد مجرد امتناع عن الكلام، بل يتحول إلى مساهمة غير مباشرة في تثبيت ميزان القوة لصالح الظالم، لأن الظالم لا يحتاج دائماً إلى من يصفق له، بل يكفيه أحياناً أن يسكت الصالحون، وأن يخاف الواعون، وأن ينسحب أصحاب الضمير إلى مناطق الراحة الشخصية.

وهنا تأتي عاشوراء بوصفها الشاهد الأكبر على هذه الحقيقة. فكربلاء لم تكن مجرد معركة بين جيشين، ولا حادثة سياسية وقعت في ظرف تاريخي محدود، بل كانت امتحاناً كاشفاً لموقف الإنسان حين يجد نفسه بين الحق المكلف والباطل المنتصر. لقد كان كثير من الناس في ذلك الزمن يعرفون مقام الحسين بن علي عليه السلام، ويعرفون قربه من رسول الله صلى الله عليه وآله، ويدركون أن يزيد لا يمثل امتداداً أخلاقياً ولا دينياً للنبوة. ومع ذلك لم يقف الجميع مع الحسين. بعضهم قاتله، وبعضهم خذله، وبعضهم قال: لا شأن لنا، وبعضهم انتظر نتيجة المعركة ليعرف أين يضع قدمه. وهنا تظهر خطورة الحياد؛ لأنه حين يكون الحسين في كربلاء، ويكون الباطل قد استنفر قوته لقتله، فإن عدم الوقوف مع الحسين لا يبقى مجرد موقف سلبي، بل يصبح جزءاً من المشهد الذي سمح للباطل أن يتمادى.

إن من يقرأ كربلاء قراءة عميقة لا يتوقف فقط عند الذين حملوا السيوف في وجه الحسين، بل يتوقف أيضاً عند المساحات الواسعة من الصمت والخوف والتردد. فالمأساة لم يصنعها القتلة وحدهم، بل صنعها أيضاً أولئك الذين عرفوا ولم يتحركوا، وسمعوا النداء ولم يجيبوا، وامتلكوا شيئاً من القدرة ثم اعتذروا لأنفسهم بذرائع كثيرة. وهذه واحدة من أخطر حقائق التاريخ: إن الظلم الكبير لا يقوم فقط على أكتاف الأشرار، بل يحتاج أيضاً إلى حياد الخائفين، وتردد المترددين، وانشغال الناس بمصالحهم الصغيرة عن القضايا الكبرى.

ومن هنا نفهم أن القضية ليست في أن يكون الإنسان صاحب رأي نظري في الحق، بل أن يمتلك شجاعة الانحياز إليه عندما تكون الكلفة عالية. فكثيرون يحبون الحق حين يكون آمناً، ويتحدثون عنه حين لا يهدد مصالحهم، ويكتبون في فضله حين لا يطالبهم بموقف. أما حين يصبح الحق سبباً للخسارة، أو العزلة، أو الاتهام، أو التضحية، فإن المعادن الحقيقية تنكشف. ولهذا كانت عاشوراء ميزاناً لا للأفكار فقط، بل للنفوس. لقد كشفت أن الإنسان قد يعرف الحق ولا ينصره، وقد يكره الباطل ولا يقاومه، وقد يبكي على المظلوم بعد قتله ولكنه لا يملك شجاعة الوقوف معه قبل أن يقتل.

وهذا ما يجعل عاشوراء قضية حاضرة في كل زمن، لا لأنها تكرر أحداثها التاريخية بحذافيرها، بل لأنها تكشف قانوناً إنسانياً دائماً: حين يعلو صوت القوة، يبدأ كثير من الناس بالبحث عن السلامة بدل البحث عن الحقيقة. وحين ينتصر الباطل ظاهرياً، تتكاثر لغة التبرير: لسنا مع أحد، الأمر معقد، لا نريد الفتنة، الظروف لا تسمح، لسنا مسؤولين، ماذا نستطيع أن نفعل؟ وهذه العبارات قد تبدو أحياناً عقلانية وحكيمة، لكنها في كثير من الموارد ليست إلا غطاءً للخوف، أو طريقة مهذبة للانسحاب من المسؤولية.

ولا يعني ذلك أن كل إنسان مطالب بما لا يطيق، أو أن المسؤولية واحدة على الجميع. فالدين لا يكلف الناس فوق طاقتهم، والظروف تختلف، والقدرات تتفاوت. ولكن المشكلة تبدأ حين يحول الإنسان عجزه إلى فلسفة، وخوفه إلى حكمة، وانسحابه إلى موقف أخلاقي متعالٍ. فهناك فرق كبير بين من لا يستطيع فيحزن لعجزه، ومن لا يريد ثم يبرر عدم إرادته. وهناك فرق بين من يصمت اضطراراً وقلبه مع الحق، ومن يصمت راحةً ثم يسمي راحته حياداً. المشكلة ليست في حدود القدرة، بل في موت الإحساس بالمسؤولية.

إن المجتمع الذي يحيي عاشوراء بوعي لا يمكن أن يكون مجتمعاً ميتاً أخلاقياً. قد يضعف، وقد يخطئ، وقد يتأثر بظروفه، لكنه يحمل في داخله ذاكرة مقاومة. وكلما حاول الواقع أن يطبع الناس على قبول الذل، جاءت عاشوراء لتقول لهم: هناك إنسان قال لا، ودفع ثمنها، وبقيت كلمته أكبر من سيوف الذين قتلوه. وكلما حاول الخوف أن يقنع الإنسان بأن السلامة أهم من الكرامة، جاءت كربلاء لتذكره بأن الحياة التي تبنى على الذل ليست نجاة حقيقية، بل موت بطيء.

وفي النهاية، ليست القضية أن يكون الإنسان كثير الكلام في نصرة الحق، بل أن لا يخدع نفسه باسم الحياد. فقد يكون الحياد في بعض الموارد عقلاً وإنصافاً، أما في لحظات الوضوح الأخلاقي فهو خذلان مغلف بلغة هادئة. وعاشوراء تعلمنا أن السؤال الأهم ليس: هل عرفت الحق؟ بل: ماذا فعلت حين عرفته؟ وليس السؤال: هل كرهت الظلم في قلبك؟ بل: هل ترك هذا الكره أثراً في موقفك وسلوكك؟ وليس السؤال: هل بكيت على الحسين؟ بل: هل صرت أقل استعداداً لخذلان الحسين في مظلوم جديد، وقضية جديدة، وموقف جديد؟

إن عاشوراء لا تطلب من كل إنسان أن يكون بطلاً بالمعنى الاستثنائي، لكنها تطلب منه أن لا يكون شاهداً بارداً على انتصار الباطل. تطلب منه أن يحفظ قلبه من التبلد، ولسانه من شهادة الزور، ويده من معاونة الظالم، وموقفه من الخذلان. وهذا هو المعنى الثقافي العميق لمحرم: أنه يخرج الإنسان من حياد الراحة إلى مسؤولية الوعي، ومن عاطفة الحزن إلى أخلاق الموقف، ومن سؤال: كيف أنجو وحدي؟ إلى سؤال: أين مكاني من الحق؟

وبهذا المعنى تبقى كربلاء أكبر من التاريخ، لأنها لا تحدثنا فقط عما وقع، بل تكشف لنا ما يمكن أن نقع فيه نحن. وتبقى عاشوراء شاهداً دائماً على أن الإنسان لا يعرف حقيقة نفسه في أوقات السعة، بل يعرفها حين يُدعى إلى موقف، وحين يصبح للحق ثمن، وحين يكتشف أن الحياد أمام الباطل ليس نجاة، بل قد يكون شكلاً مؤدباً من أشكال السقوط.

إن الثقافة المعاصرة، بما فيها من فردانية مفرطة، ساعدت على تعميق هذا الوهم. فقد صار الإنسان يتربى أحياناً على أن خلاصه الشخصي هو القيمة العليا، وأن أهم ما في الحياة أن يحافظ على راحته ومصلحته وصورته الاجتماعية. ومع مرور الزمن، يصبح كل موقف أخلاقي كبير عبئاً مزعجاً، وكل قضية عادلة مصدر إرباك، وكل نداء للحق تهديداً للهدوء الشخصي. وهكذا يتحول الإنسان من كائن يحمل رسالة ومسؤولية إلى كائن يحاول أن ينجو فردياً ولو احترق العالم من حوله.

لكن عاشوراء تكسر هذه الفردانية من أساسها. فالحسين عليه السلام لم ينظر إلى الحياة بوصفها مشروع نجاة فردية، ولم يتعامل مع السلامة الشخصية بوصفها القيمة العليا. كان يستطيع أن يختار طريقاً أقل كلفة من كربلاء، وكان يستطيع أن ينسحب من المواجهة لو كان يبحث عن البقاء بمعناه المادي الضيق. لكنه كان يرى أن هناك لحظة يصبح فيها الصمت خيانة، وأن هناك ثمناً إذا لم يدفعه أهل الحق دفعته الأمة كلها من دينها ووعيها وكرامتها. ولذلك قال كلمته التي بقيت تختصر فلسفة الموقف: «هيهات منا الذلة». هذه العبارة ليست مجرد شعار حماسي، بل إعلان أن الإنسان لا يقاس بعمره، بل بالمبدأ الذي لا يبيعه، ولا يقاس بما ينجو به من خسائر، بل بما يحفظه من كرامة.

ومن هنا ينبغي أن نعيد فهم معنى البطولة. فالبطولة ليست اندفاعاً عاطفياً، ولا رغبة في الصدام، ولا بحثاً عن الموت. البطولة في جوهرها أن يعرف الإنسان موضعه حين تلتبس المواقف، وأن يحفظ ضميره حين يساومه الخوف، وأن لا يسمح للقوة أن تعيد تعريف الحق والباطل. ولهذا كان أصحاب الحسين عليه السلام قلة في العدد، لكنهم كانوا كثرة في المعنى. لم يكونوا مجرد رجال قاتلوا في معركة خاسرة عسكرياً، بل كانوا شهوداً على قدرة الإنسان أن يتحرر من سلطان الخوف حين يعرف لماذا يعيش ولأجل ماذا يموت.

إن أخطر ما يفعله الباطل أنه لا يطلب من الناس دائماً أن يؤمنوا به، بل يطلب منهم أحياناً أن ييأسوا من الحق. يريدهم أن يقولوا: لا فائدة، لا قدرة لنا، العالم لا يتغير، الأقوى هو الذي يفرض الحقيقة. فإذا وصل الناس إلى هذه المرحلة، انتصر الباطل حتى لو لم يحبه أحد. ولذلك فإن أول مقاومة للباطل ليست دائماً بالسلاح ولا بالصوت العالي، بل بحفظ اليقين الداخلي بأن الظلم لا يصبح حقاً لأنه قوي، وأن الحق لا يصبح باطلاً لأنه محاصر، وأن الهزيمة الظاهرية ليست دليلاً على خطأ الطريق.

وهذا بالضبط ما شهدت له عاشوراء. فالمشهد الخارجي في كربلاء كان يقول إن الباطل انتصر: الحسين قُتل، وأصحابه قُتلوا، والنساء سُبين، والرؤوس رُفعت على الرماح. لكن التاريخ لم يتوقف عند ظاهر الواقعة. الذي بقي في ضمير الأمة لم يكن عرش يزيد، بل دم الحسين. والذي تحول إلى مدرسة للأحرار لم يكن منطق السلطة، بل منطق الشهادة. وهذا يكشف أن القوة تستطيع أن تصنع ضجيجاً مؤقتاً، لكنها لا تستطيع أن تمنح نفسها شرعية أبدية، وأن الباطل قد يملك لحظة الرعب، لكنه لا يملك مستقبل الوعي.

ولذلك فإن استحضار عاشوراء اليوم لا ينبغي أن يبقى محصوراً في دائرة الحزن، على عظمة الحزن وقداسته، بل يجب أن يتحول إلى معيار نقرأ به أنفسنا ومجتمعاتنا. كم من مرة نرى ظلماً واضحاً ثم نكتفي بالتفرج؟ كم من مرة نعرف أن كلمة الحق واجبة ثم نؤجلها لأننا لا نريد المتاعب؟ كم من مرة نخاف على مصالحنا أكثر مما نخاف على قيمنا؟ كم من مرة نمارس نحن ظلماً صغيراً في بيوتنا أو أعمالنا، ثم نتصور أننا مع الحسين لأننا نبكي عليه؟ إن عاشوراء لا تسمح لنا بهذا الفصل المريح بين الشعيرة والسلوك، بين الدمعة والموقف، بين الولاء العملي والولاء اللساني.

فالذي يتعلم من عاشوراء لا يستطيع أن يكون ظالماً في بيته، ولا متكبراً على الضعفاء، ولا خائناً للأمانة، ولا ساكتاً دائماً عن الحق، ثم يظن أن مجرد الانتساب العاطفي يكفي. صحيح أن محبة الحسين باب رحمة عظيم، وأن الدمعة عليه لها قيمتها في وجدان المؤمن، ولكن هذه المحبة لا تبلغ كمالها إلا حين تتحول إلى تربية. فالحسين لا يريد منا أن نلعن قتلة التاريخ فقط، بل أن نقتل في أنفسنا قابلية الظلم، وقابلية الخذلان، وقابلية بيع الموقف بثمن قليل.

وهنا تظهر القيمة الثقافية الكبرى لعاشوراء. فهي لا تحفظ ذكرى شهيد فحسب، بل تبني حساسية أخلاقية داخل الجماعة المؤمنة. تجعل المجتمع أكثر قدرة على الاشمئزاز من الظلم، وأكثر استعداداً لنصرة المظلوم، وأكثر وعياً بخطورة السلطة حين تنفصل عن القيم، وأكثر فهماً لمعنى الدين حين يتحول إلى مسؤولية. ولذلك خافت السلطات عبر التاريخ من الحسين بعد شهادته أكثر مما خافت منه في حياته؛ لأن الحسين الشهيد لم يعد شخصاً يمكن قتله مرة أخرى، بل أصبح معنى يتحرك في وجدان الأجيال.

مشاركة: