الشيخ معتصم السيد أحمد
من أكثر المفاهيم التي تحتاج إلى مراجعة في وعينا المعاصر مفهوم النصر. فقد اعتاد الإنسان أن يقيس النصر بما يظهر أمام العين مباشرة: من غلب؟ من امتلك القوة؟ من فرض قراره؟ من بقي على الأرض بعد انتهاء المعركة؟ ومن خرج من المشهد منتصراً في لغة السياسة والسلاح والعدد؟ وهذا الفهم ليس غريباً؛ لأن الإنسان بطبيعته يتأثر بالمشهد القريب، ويخضع أحياناً لسطوة النتائج السريعة، فيظن أن الغلبة الظاهرة هي الحقيقة النهائية، وأن من امتلك القوة فقد امتلك الحق، وأن من هُزم عسكرياً فقد خسر المعركة كلها.
لكن التاريخ، حين نقرأه بعمق، لا يؤيد هذا الفهم السطحي للنصر. فكثيرون انتصروا في لحظتهم ثم هزمهم الزمن، وكثيرون سقطوا على الأرض ثم ارتفعوا في ضمير الأجيال. هناك من كسب المعركة وخسر المعنى، وهناك من خسر جسده وربح الخلود. هناك قوة تستطيع أن تصنع مشهداً صاخباً، لكنها لا تستطيع أن تصنع شرعية باقية. وهناك دم يراق في لحظة، لكنه يتحول إلى معيار أخلاقي يحاكم العصور كلها. ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي: هل النصر هو أن تبقى حياً بأي ثمن، أم أن تبقى قيمتك حية ولو دفعت حياتك ثمناً لها؟
وعاشوراء هي الشاهد الأكبر على هذه الحقيقة. فلو نظرنا إلى كربلاء بعين المشهد العسكري وحده، لقلنا إن الحسين بن علي عليه السلام قد هزم، وإن جيش يزيد قد انتصر. فقد قتل الحسين، وقتل أصحابه وأهل بيته، وسبيت النساء، ورفعت الرؤوس على الرماح، ودخل المنتصرون الظاهريون إلى الكوفة والشام وهم يتصورون أنهم أنهوا القضية. كل شيء في الصورة الخارجية كان يقول إن القوة قد حسمت المعركة. لكن الذي حدث بعد ذلك كان انقلاباً عميقاً في معنى النصر والهزيمة. فالذين انتصروا بالسيف صاروا موضع لعنة في ضمير التاريخ، والذي قتل وحيداً عطشاناً صار راية لا تنكسر، ومقياساً للحق، ومدرسة للأحرار.
وهنا تكمن عظمة كربلاء؛ لأنها لا تقدم لنا درساً في الشهادة فقط، بل تعيد بناء وعينا بالمقاييس. تعلمنا أن النصر لا يقاس دائماً بعدد الباقين، ولا بحجم الجيش، ولا بامتلاك الدولة، ولا بالقدرة على البطش، بل يقاس أحياناً بقدرة الإنسان على أن يحفظ المعنى في لحظة يريد فيها الباطل أن يطمسه. لقد أراد يزيد أن ينتصر سياسياً، وأن يفرض طاعته على الأمة، وأن يجعل من بيعة الحسين غطاءً لانحراف السلطة. ولو قبل الحسين عليه السلام بهذه المعادلة لكان قد بقي جسده، ولكن المعنى كان سيقتل. أما حين رفض، فقد قتل الجسد، لكن المعنى بقي أقوى من كل سيوف القتلة.
إن المشكلة في فهمنا للنصر أننا غالباً نربطه بالبقاء المادي، بينما الحياة نفسها لا تكتسب قيمتها إلا بالمعنى الذي تحمله. فالإنسان قد يعيش طويلاً وهو مهزوم في داخله، وقد يموت مبكراً وهو منتصر على خوفه وضعفه وزمنه. ليست العبرة في أن ينجو الإنسان من الموت، لأن الموت مصير كل حي، وإنما العبرة في أن لا يموت قبل موته، أن لا يفقد كرامته، ولا يبيع ضميره، ولا يسمح للخوف أن يسلبه إنسانيته. ومن هنا نفهم أن الحسين عليه السلام لم يكن يبحث عن الموت، كما يتصور بعض السطحيين، ولكنه كان يرفض حياة تتحول إلى شاهد زور على الباطل. كان يرى أن البقاء إذا كان ثمنه خيانة الحق، فهو هزيمة لا نجاة.
وهذا المعنى شديد الحاجة في زمننا؛ لأن العالم المعاصر يربي الإنسان، في كثير من الأحيان، على عبادة النتائج السريعة. النجاح هو ما يظهر في الأرقام، والقوة هي ما يظهر في الإعلام، والتأثير هو ما يظهر في التصفيق، والقيمة هي ما تقرره الشهرة والمال والسلطة. ومع مرور الزمن، يبدأ الإنسان في الخضوع لهذا الميزان، فيظن أن صاحب الصوت الأعلى هو الأقرب إلى الحقيقة، وأن صاحب النفوذ هو الأجدر بالاحترام، وأن القضية التي لا تنتصر سريعاً قضية خاسرة، وأن الثبات على المبدأ إذا لم يحقق مكسباً فورياً نوع من السذاجة.
لكن عاشوراء تأتي لتكسر هذا الوهم من جذوره. تقول لنا إن التاريخ لا يكتب حكمه النهائي في لحظة المعركة. قد يحتاج الحق إلى زمن طويل كي يظهر أثره، وقد يحتاج الدم الطاهر إلى أجيال كي يكشف زيف القوة التي سفكته. لذلك كان انتصار الحسين عليه السلام من نوع آخر: لم يكن انتصاراً عسكرياً في الميدان، بل كان انتصاراً في الوعي والضمير والتاريخ. لقد سقط جسده في كربلاء، ولكن قيمته قامت في الأمة. وأما الذين قتلوه فقد بقيت أجسادهم بعد المعركة، لكنهم بدأوا منذ تلك اللحظة يموتون معنوياً في ذاكرة الناس.
ومن هنا ينبغي أن نميز بين الغلبة والنصر. الغلبة قد يحققها الأقوى، أما النصر فلا يحققه إلا صاحب الحق إذا ثبت على حقه. الغلبة فعل خارجي، أما النصر فهو معنى أخلاقي. الغلبة قد تكون للسيف، أما النصر فهو للرسالة. وقد يغلب الباطل في لحظة، لكنه لا ينتصر بالمعنى العميق؛ لأن انتصاره يحتاج إلى أن يقنع الضمير الإنساني بشرعيته، وهذا ما يعجز عنه دائماً.
إننا بحاجة إلى هذا الفهم خصوصاً في زمن تتغير فيه المقاييس بسرعة. فالإعلام يصنع منتصرين كاذبين، والمال يصنع وجاهات مؤقتة، والقوة تصنع حقائق مزيفة، والناس قد ينجذبون إلى من يملك الصورة والصوت والسطوة. لكن عاشوراء تذكرنا بأن كل هذه الأشياء قد تسقط في لحظة أمام موقف صادق. لم يكن الحسين يملك آلة إعلامية، ولا جيشاً كبيراً، ولا خزائن دولة، لكنه كان يملك ما هو أعمق: وضوح الحق، ونقاء الموقف، واستعداد التضحية. وهذه الأشياء لا يفهم قيمتها من يقرأ الحياة بعين السوق والسياسة فقط، لكنها هي التي تصنع التحولات الكبرى في الوعي الإنساني.
وفي الخلاصة، إن عاشوراء لا تعلمنا فقط كيف نموت من أجل الحق، بل تعلمنا كيف نفهم النصر ونحن أحياء. تعلمنا أن لا نخدع بالغلبة الظاهرة، ولا ننهزم أمام ضجيج الباطل، ولا نقيس قيمة الموقف بنتائجه السريعة فقط. تعلمنا أن الإنسان قد يكون وحيداً ويكون منتصراً، وقد يكون محاطاً بالجيوش ويكون مهزوماً. تعلمنا أن الدم إذا كان في سبيل الله لا يضيع، وأن الموقف إذا كان صادقاً لا ينتهي، وأن الحق إذا لم يجد نصراً سريعاً في الأرض وجد طريقه إلى ضمير التاريخ.
لهذا لا يجوز أن نقرأ كربلاء كصفحة مأساوية فقط، بل كمدرسة تعيد بناء مقاييسنا. فالسؤال الذي تطرحه عاشوراء علينا ليس: من غلب في العاشر من محرم؟ فهذا سؤال تجيب عنه العين القريبة. السؤال الأعمق هو: من بقي؟ من صار معياراً؟ من يخجل الناس من ذكر قاتله؟ ومن ينهضون عند ذكر اسمه؟ من تحولت شهادته إلى طاقة ووعي وكرامة؟ ومن تحول انتصاره العسكري إلى لعنة تاريخية؟ عند هذا السؤال ندرك أن الحسين عليه السلام لم يكن مهزوماً في كربلاء، بل كان يؤسس لنصر لا يستطيع السيف أن يراه في لحظته، ولكنه يفرض نفسه على الزمن كله.
وهكذا تصبح عاشوراء دعوة إلى تحرير وعينا من عبادة النتائج السريعة. أن لا نقول عن الحق إنه خاسر لأنه محاصر، ولا عن الباطل إنه منتصر لأنه قوي. أن لا نبدل مبادئنا لأن الطريق طال، ولا نبيع مواقفنا لأن الثمن ارتفع. أن نعرف أن النصر الحقيقي يبدأ حين ينتصر الإنسان على خوفه، وعلى رغبته في السلامة، وعلى إغراءات المكسب السريع. وهذا هو بعض معنى الحسين في حياتنا: أن يكون شاهداً دائماً على أن الهزيمة الحقيقية ليست أن تُقتل مظلوماً، بل أن تعيش بلا مبدأ، وأن النصر الحقيقي ليس أن تغلب الآخرين، بل أن لا يغلبك الباطل من داخلك.
الباطل قد يرهب، وقد يخدع، وقد يشتري، وقد يضج، لكنه لا يستطيع أن يكون مطمئناً أمام دم مظلوم صادق.
وهذا هو السر في أن كربلاء لم تنته بانتهاء يوم العاشر. لو كانت مجرد هزيمة عسكرية لانتهت في صحراء الطف، كما انتهت آلاف المعارك التي لا يذكرها أحد. لكنها بقيت لأنها حملت معنى أكبر من حدود الزمان والمكان. بقيت لأنها طرحت على الإنسان سؤالاً لا يموت: ماذا تفعل حين يطلب منك الباطل أن تمنحه شرعية؟ ماذا تختار حين يكون طريق الحق مكلفاً وطريق السلامة مذلاً؟ هل تقيس الأمور بما تربحه الآن، أم بما تحفظه من نفسك ودينك وكرامتك؟
ولعل من أعمق دروس عاشوراء أنها تعلمنا الصبر على بطء انتصار الحق. فكثير من الناس لا يخذلون الحق لأنهم يكرهونه، بل لأنهم لا يملكون الصبر على طريقه. يريدون للحق أن ينتصر سريعاً، وأن يكون طريقه مريحاً، وأن لا يطلب منهم تضحية، فإذا طال الطريق أو اشتدت الكلفة بدأوا بالانسحاب أو التبرير. لكن سنن التاريخ لا تعمل دائماً بهذه الطريقة. قد يكون للباطل جولة، وقد يملك أدوات ضخمة، وقد يبدو الحق محاصراً، ولكن هذا لا يعني أن الحق خاسر. الخسارة الحقيقية أن نفقد إيماننا بالحق لأنه لم ينتصر في الزمن الذي نريده نحن.
لقد انتصر الحسين عليه السلام لأنه لم يسمح ليزيد أن يحدد معنى المعركة. أراد يزيد أن يجعلها مسألة طاعة وخروج على السلطة، فجعلها الحسين مسألة حق وباطل. أراد أن يجعلها تمرداً سياسياً، فجعلها الحسين شهادة على انحراف الأمة. أراد أن يحاصرها في كربلاء، ففتحها الحسين على التاريخ كله. وهذه من أعظم صور النصر: أن لا تسمح لعدوك أن يفرض عليك لغة المعركة، ولا أن يحدد لك معيار النجاح والفشل. فالإنسان قد يهزم حين يتبنى مقاييس خصمه، حتى لو لم يسقط بعد. أما الحسين فرفض من البداية أن يدخل في منطق الباطل، ولذلك بقي انتصاره أعمق من نتائج السلاح.
إن هذا الدرس لا يخص الثورات والمعارك الكبرى فقط، بل يدخل في حياة الإنسان اليومية. فالإنسان في عمله، وأسرته، ومجتمعه، ومواقفه الصغيرة، يواجه دائماً إغراءات تعيد تعريف النصر بطريقة خاطئة. قد يظن أن النصر أن يغلب خصمه بالكذب، أو أن يحصل على مكسب بالغش، أو أن يحفظ مكانته بالتنازل عن قيمه، أو أن يسكت عن الحق كي لا يخسر علاقاته. لكنه في الحقيقة قد يربح شيئاً خارجياً ويخسر شيئاً من داخله. وقد يبدو أمام الناس ناجحاً، لكنه في ميزان الضمير مهزوم.
وهنا تأتي عاشوراء لتعلمنا أن النصر الأول هو أن لا نخسر أنفسنا. فالذي يكذب ليحصل على مكسب ليس منتصراً، والذي يظلم لأنه قادر ليس منتصراً، والذي يتنازل عن كرامته خوفاً من الناس ليس منتصراً، والذي يبيع موقفه لأنه يريد السلامة ليس منتصراً. النصر الحقيقي يبدأ من الداخل، من تلك اللحظة التي يقول فيها الإنسان: لن أبيع حقيقتي، لن أظلم ولو قدرت، لن أخون ولو ربحت، لن أصمت حيث يكون الصمت شهادة للباطل. بهذا المعنى يصبح الحسين عليه السلام مدرسة يومية، لا ذكرى موسمية.
ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس أنهم يتعاملون مع عاشوراء بوصفها قصة حزن فقط، مع أنها في عمقها قصة انتصار. نعم، هي حزن عظيم لا يشبهه حزن، ومصيبة لا تجف دمعتها، ولكنها ليست حزناً يربي الإنسان على الانكسار، بل حزناً يربيه على العزة. البكاء على الحسين ليس بكاء إنسان مهزوم، بل بكاء من عرف قيمة النصر الذي صنعه الدم. نحن لا نبكي لأن الحسين خسر، بل نبكي لأن الأمة لم تكن بمستوى الحسين، ولأن الباطل بلغ من القسوة أن يقتل ابن بنت نبيه، ولأن الإنسان حين ينحرف قد يصبح قادراً على ارتكاب أبشع الجرائم باسم الطاعة والمصلحة. لكن هذا البكاء، في جوهره، ليس اعترافاً بهزيمة الحسين، بل شهادة على انتصاره.
ومن هنا نفهم معنى أن تبقى الشعائر الحسينية حية عبر القرون. إن المجالس والمواكب والزيارات ليست مجرد استعادة وجدانية لماضٍ مؤلم، بل هي إعلان مستمر أن موازين القوة ليست هي الكلمة الأخيرة في التاريخ. كل مجلس حسيني واعٍ يقول للعالم: إن الذي قتلوه لم ينته، وإن الذين رفعوا رأسه على الرمح لم يستطيعوا أن يقطعوا صوته من وجدان الأمة. وكل دمعة صادقة على الحسين تقول: إننا لا نصدق الرواية التي كتبها السيف، بل نصدق الرواية التي كتبها الدم المظلوم.
ولذلك فإن الأمة التي تفهم عاشوراء لا تيأس عندما ترى الباطل قوياً. قد تحزن، وقد تتألم، وقد تمر بلحظات ضعف، لكنها لا تسمح للقوة أن تخدعها. تعرف أن الحق قد يتأخر ظهوره، لكنه لا يموت. وتعرف أن الباطل قد يملأ الدنيا صخباً، لكنه يبقى قلقاً أمام كلمة صادقة وموقف نقي. وتعرف أن النصر ليس دائماً أن ترى ثمرة موقفك في حياتك، بل أن تزرع معنىً يبقى بعدك، وأن تكون حلقة في سلسلة الحق، وأن لا تسمح للحظة الخوف أن تقطع صلتك بالمبدأ.