الشيخ مصطفى الهجري
إنّ الحديث عن أمراض الأمة، وتحديداً مرض "فقدان الثقة بالذات" والاستلاب الحضاري، ليس غايةً في حد ذاته لبعث اليأس أو جلد الذات، بل هو الخطوة التشخيصية الأولى في مسار التعافي. إنّ عملية نهوض الأمة لا تحصل صدفة ولا تحققها الأمنيات ولا المواعظ والخطابات ولا الشعارات، بل هي عملية دقيقة لها ظروفها وأسسها ومرتكزاتها وشروطها الحضارية التي لا بدّ أن تستنفر لأجلها كلّ الطاقات والإمكانات والعناصر البشرية التي تملك علماً ووعياً وإخلاصاً للأمة من أجل العمل على توفيرها.
ولكي ننتقل من التنظير إلى ميدان العمل الفعلي، لا بد من تبني مسار علاجي عملي يتدرج عبر مراحل دقيقة وواضحة، بعيداً عن الحلول الترقيعية أو العاطفية العابرة.
أولاً: وعي الذات والاعتراف الشجاع بالمرض
المدخل الضروري والمهم في عملية النهوض يتمثّل بـ «العودة إلى الذات». إن معرفة المرض هو البداية الطبيعية لعلاجه، ولا ريب أنّ أخطر أمراض الأمة وأشدها فتكاً هي تلك الأمراض التي لا يعيها الإنسان ولا يحسّ بها إلاّ بعد فوات الأوان. وقد حذرنا القرآن الكريم من حالة الغفلة المركبة هذه في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤]. لن يتسنى لأمتنا أن تصحو أو تستفيق من كبوتها وتخرج من هذا النفق المظلم الذي دخلته منذ قرون إلاّ بالعودة إلى الذات.
ثانياً: المراجعة النقدية الجماعية (من نحن؟ وإلى أين؟)
العودة إلى الذات تفرض علينا القيام بوقفة مطولة مع الذات، وقفة مراجعة مع أنفسنا لمساءلتها ومحاسبتها. وهذه ليست مجرد مساءلة فردية، بل هي مساءلة جماعية تشمل الأمة ككيان، مؤسساتها الاستشرافية ونخبها وأهل الوعي والبصيرة فيها، من العالم والطبيب والمهندس والإعلامي. إنّ هذه المراجعة بعيداً عن الضوضاء والصخب، ومؤثرات العقل الجمعي، هي أكثر من ضرورية، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ: ٤٦].
يجب أن نمتلك الشجاعة لطرح الأسئلة الجريئة: ماذا جرى لنا؟ ماذا نريد؟ ما هي مكامن الخلل فينا؟ هل الخلل في فكرنا وديننا أم في تلقينا لهذا الفكر؟ لماذا تمزّقنا شيعاً وأحزاباً؟. إنّ منطق السنن التاريخية يعلمنا ويؤكد لنا ـ بما لا مجال للّبس فيه ـ أهمية هذه الوقفة والمراجعة، وأنها تحتاج إلى معاناة ومكابدة ومجاهدة وتحتاج إلى الكثير من التضحيات.
ثالثاً: استخلاص العبر وتصحيح البوصلة
هذه المراجعة النقدية الجادة ستقودنا حتماً إلى خلاصات عملية كبرى:
براءة الدين من التخلف: إنّ الدين الإسلامي في نصوصه ومفاهيمه وقيمه ليس سبباً لمآسينا وتخلّفنا وتمزّقنا. إنّ المشكلة ليست في الدين، وإنما في فهمنا له، وفي سوء تطبيقنا لتعاليمه وأحكامه. فهذا الدين الذي يحمل عنوان ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] لا يمكن أن يكون نقمة. والدين الذي يكرّس مبدأ الكرامة الإنسانية في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]، لا يمكن أن يدعو إلى احتقار الآخر الديني أو المذهبي.
التاريخ قاعدة انطلاق، لا سجن: المطلوب إذن أن نبني على هذا التاريخ لا أن نسكن فيه، وأن نعيد قراءته لا أن نقدسه ونتجمد فيه، أن نبني عليه للانطلاق إلى المستقبل، وأن نفكك بين ثابته ومتحركه، وأن نميّز صَفْوه من كدره. لا يجوز لنا أن ننسلخ من عصرنا، كما لا يجوز أن ننقطع عن تاريخنا ومحطاته المشرقة؛ لأنّ أمة بلا تاريخ هي أمة بلا هوية وبلا حاضر وبلا مستقبل.
رابعاً: بناء الثقة ورفض الانهزام النفسي
إنّ بداية انهيار الأمم وتقهقرها هي بداية فَقْدِها ثقتها بذاتها، فالأمم الرائدة والتي يكتب لها البقاء هي التي لا تخجل بانتمائها ولا تنسى أو تتناسى انتصاراتها. يجب الحذر من الوقوع تحت وطأة الانهزام النفسي والمعنوي ومن منطلق الشعور بالدونية أثناء المراجعة النقدية. يجب تفعيل الارتباط بالهوية بمداميكها الروحية والحضارية. وحين نقرأ في الزيارة المعروفة للإمام الحسين (عليه السلام): «السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله السلام عليك يا وارث نوح نبي الله السلام عليك يا وارث ابراهيم خليل الله السلام عليك يا وارث موسى كليم الله السلام عليك يا وارث عيسى روح الله السلام عليك يا وارث محمد حبيب الله..»، ندرك أننا ننتمي لخطّ ممتدّ وراسخ في أعماق التاريخ، ولسنا طارئين عليه.
خامساً: تكامل أدوار "الثائر" و"المصلح"
لإحداث التغيير الشامل على الصعيد النفسي والروحي والأخلاقي، تحتاج الأمة إلى قيادتين (أو شخصية تختزن البعدين): شخصيّة ثائر، وشخصية مفكر ومصلح. حاجة الأمة إلى الثائر تنبع من حاجتها إلى صدمة عاطفية تهز الوجدان والمشاعر، وتوقظ الوعي الذي دخل في سبات عميق. فالأفراد قد يعرفون الحق ولكنهم لضعف إرادتهم وتعلقهم بالمصالح الدنيوية لا يتبعونه. وهنا يأتي دور الصدمة التي قدمها الإمام الحسين (عليه السلام) حين قَدّم نفسه شهيداً ليشكّل أكبر هزة لضمائر المسلمين. ولكنّ العمليّة الثوريّة إن لم تترافق مع عمليّة إصلاحية فلن تؤدي غرضها المنشود. فالمفكّر المصلح يعمل على الاجتهاد في النصوص والثائر يجتهد ويجهد في إيقاظ النفوس، المصلح يعمل على تحريك عجلة الدين التي أصابها التكلّس، بينما يعمل الثائر على تحريك نبض الأمة التي أصابها الشلل.
سادساً: ضوابط العمل التغييري (أولوية السلم والتأسيس التربوي)
لا يمكن أن يحصل التغيير المنشود خارج ضوابط منهجية صارمة:
التزامن بين التحرير والتربية: إنّ العملية الثوريّة لا يمكن أن تصل إلى غاياتها المنشودة إنْ لم يعقبْها عمليّة إصلاحية ثقافية تربوية، تعمل من جهة على تصحيح الانحراف الفكري، وتعمل من جهة أخرى على تهذيب الإنسان. والشيء المؤسف أنّ بعض الحركات الإسلامية قد أثبتت نجاحاً باهراً على صعيد العمل الثوري وفي مهمّة تحرير الأرض، لكنّها فشلت في مهمّة تحرير العقل وتربية الإنسان.
أصالة الحراك السلمي: إنّ ما نفهمه من تعاليم الإسلام أنّ الأصل في عملية التغيير داخل المجتمع هو في الحراك السلمي الجماهيري. يرفض الإسلام التسرع في استخدام العنف، ما دام بالإمكان الوصول إلى عملية التغيير المنشودة من خلال الطرق السلمية. وقد أرسى القرآن هذه القواعد في آيات عديدة منها:
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠].
﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢].
﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤].
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨].
فالأصل في العلاقات الإنسانية هو السلم والحوار والدفع بالتي هي أحسن. ولا يتم الانتقال إلى خيارات أخرى، كالعصيان المدني أو استخدام القوة، إلا بعد استنفاد كافة الوسائل السلمية الاحتجاجية، وشريطة أن يكون ذلك مبنياً على تخطيط واعٍ تحت قيادة شرعية حكيمة عارفة بالزمان.
إن استعادة ثقة الأمة بذاتها ليست ترفاً فكرياً، بل هي فريضة الوقت. إنها تتطلب عملاً منهجياً، يبدأ من مراجعة الذات بشفافية، ويمر بإعادة قراءة التاريخ بوعي، وينتهي بتكامل جهود المصلحين والثوار لتربية الفرد وتحرير إرادة المجتمع، بعيداً عن اليأس والتخبط، ومسترشدين ببوصلة القيم التي لا تضل.