رجوع
زيارة الأربعين كيف تصنع مجتمعاً خارج منطق المصلحة؟

زيارة الأربعين كيف تصنع مجتمعاً خارج منطق المصلحة؟

الشيخ معتصم السيد أحمد

حين ينظر الإنسان إلى زيارة الأربعين من الخارج، قد يراها تجمعاً بشرياً هائلاً تحركه العاطفة الدينية، وتمتد فيه المواكب على الطرق، وتُقدَّم خلاله كميات ضخمة من الطعام والخدمات. لكن هذه الصورة، على ضخامتها، لا تكشف إلا السطح. فالأربعين ليست مجرد حشد كبير، بل تجربة اجتماعية نادرة تكشف ما يستطيع المجتمع أن يفعله حين تتحول القيم من أفكار في الوجدان إلى أنماط في التنظيم، وحين تتقدم المبادرة الشعبية على انتظار القرار الرسمي، وحين يشعر الإنسان أن خدمة الآخر ليست عبئاً طارئاً، بل جزءاً من هويته ودوره.

ولهذا فإن السؤال الأهم ليس: كيف يستطيع الناس إطعام هذه الملايين؟ بل: ما الذي يجعل هذا العدد الكبير من البشر يتعاونون بهذه الصورة؟ وكيف تنشأ بينهم هذه الدرجة من الثقة؟ وما الذي يدفع الأسر والعشائر والأفراد إلى إنفاق المال والوقت والجهد في خدمة أشخاص لا يعرفونهم، ولن يروهم غالباً مرة أخرى؟

إن زيارة الأربعين تضعنا أمام نموذج اجتماعي مختلف عن الصورة المعتادة للمجتمع الحديث. ففي الحياة اليومية تتحرك غالبية العلاقات ضمن عقود واضحة: خدمة تقابلها أجرة، وعمل يقابله راتب، ومنفعة تقابلها منفعة. وهذا النظام ضروري لتنظيم الحياة، لكنه لا يكفي وحده لبناء مجتمع متماسك؛ لأن المجتمع الذي لا يعرف إلا الحساب قد ينجح في إدارة المصالح، لكنه يفشل في صناعة الرحمة والثقة والتكافل.

أما في الأربعين، فإننا نرى مساحات واسعة من العمل الإنساني لا تقوم على المقابل المباشر. يقدم الناس طعامهم وبيوتهم وأوقاتهم وخبراتهم إلى الغرباء، ولا يسألونهم عن أسمائهم ولا بلدانهم ولا أوضاعهم الاجتماعية. لا يطلب صاحب الموكب عقداً يضمن حقه، ولا ينتظر من الزائر أن يرد له الجميل، بل يكفيه أن يكون هذا الآخر قاصداً الحسين عليه السلام.

وهنا تظهر قيمة اجتماعية بالغة الأهمية: القدرة على التعامل مع الإنسان بوصفه إنساناً، لا بوصفه مصدراً للربح أو وسيلة للنفوذ أو طرفاً في علاقة محسوبة. وهذه القدرة ليست شائعة كما قد نظن؛ لأن المجتمعات التي يطول فيها الصراع، أو يضعف فيها القانون، أو يترسخ فيها الفساد، تعاني عادة تراجعاً في مستوى الثقة بين الناس. يصبح كل واحد حذراً من الآخر، ويغلق الإنسان بابه، ويحسب خطواته، ويظن أن كل يد ممدودة تخفي وراءها مصلحة.

لكن الأربعين تقلب هذا المنطق مؤقتاً. فالأبواب تفتح، والبيوت تتحول إلى أماكن استضافة، والممتلكات الخاصة توضع في خدمة عامة، ويصبح الغريب موضع ترحيب بدل أن يكون موضع ريبة. وهذه الظاهرة لا ينبغي النظر إليها بوصفها حالة عاطفية عابرة، بل بوصفها دليلاً على أن المجتمع يمتلك مخزوناً أخلاقياً كبيراً، وأنه قادر، حين تحضر القيمة المشتركة، على تجاوز كثير من الحواجز التي تقسمه في الأيام العادية.

الثقة التي تصنعها الزيارة

الثقة ليست شعاراً أخلاقياً، بل هي أساس كل مجتمع قادر على العمل. فحيث تنعدم الثقة، تتعطل المعاملات، وتكثر الشكوك، وتحتاج أبسط العلاقات إلى رقابة شديدة، ويصبح التعاون مكلفاً. أما حين ترتفع الثقة، فإن الناس يستطيعون إنجاز أعمال كبيرة بأدوات أقل، لأنهم لا يستهلكون طاقتهم في الشك المتبادل.

وزيارة الأربعين تكشف عن مستوى مرتفع من هذه الثقة. فالزائر يضع نفسه أحياناً في رعاية أشخاص لم يلتق بهم من قبل، ويأكل من طعامهم، وينام في أماكن أعدوها له، ويترك حاجاته لديهم، ويستعين بخدماتهم الصحية أو التنظيمية. وفي الجهة الأخرى، يفتح المضيف بيته ومخزنه وممتلكاته لأناس لا يعرفهم، ولا يملك عنهم معلومات مسبقة.

إن هذه العلاقة لا تقوم على مؤسسة أمنية تفرضها، ولا على عقد قانوني يحميها، بل على معنى مشترك: نحن جميعاً في خدمة الحسين. وهنا تتحول العقيدة من علاقة فردية بين الإنسان وربه إلى طاقة اجتماعية تصنع الثقة بين الناس.

ولذلك فإن من الخطأ أن ينظر إلى الشعائر بوصفها ممارسات وجدانية لا أثر لها في الواقع. فالشعيرة، حين تعاش بعمق، تستطيع أن تعيد بناء العلاقات بين الناس، وأن توفر أرضية للتعاون، وأن تنتج لغة مشتركة يتفاهم بها أفراد ينتمون إلى بيئات وقوميات وطبقات مختلفة.

لكن هذه الثقة لا تظهر من فراغ، بل هي ثمرة ذاكرة دينية وتربية اجتماعية متراكمة. فالإنسان الذي تربى على أن خدمة الزائر شرف، وأن إكرامه قربى، وأن التعب في سبيله قيمة، لا يحتاج في كل مرة إلى أمر إداري حتى يتحرك. لقد تحولت القيمة إلى عادة اجتماعية، والعادة إلى مؤسسة غير مكتوبة، والمؤسسة إلى شبكة واسعة من العمل الأهلي.

الموكب بوصفه مؤسسة اجتماعية

من أكثر جوانب زيارة الأربعين عمقاً أن الموكب لا يمكن اختزاله في كونه مكاناً لتقديم الطعام. فالطعام هو أكثر ما يراه الناس، لكنه ليس كل ما يجري. الموكب في حقيقته مؤسسة اجتماعية مصغرة: هناك تمويل، وإدارة، وتقسيم للعمل، وتوزيع للمهام، وتنظيم للوقت، ومتابعة للمخزون، واستقبال للضيوف، وتنظيف، وإسعاف، ونقل، وإرشاد، وأحياناً نشاط ثقافي وتعليمي.

ومع أن كثيراً من المواكب لا تستعمل لغة الإدارة الحديثة، فإنها تمارس في الواقع أشكالاً متقدمة من التنظيم. يعرف كل فرد دوره، وتتوزع المسؤوليات بحسب العمر والخبرة والقدرة، وتعمل المجموعة تحت ضغط كبير، وتتعامل مع أعداد غير ثابتة، وتواجه تغيرات مستمرة في الحاجة والوقت والظروف.

وهذا كله يكشف أن المجتمع يمتلك قدرة تنظيمية لا تظهر دائماً في مؤسساته الرسمية. فالناس الذين يوصَفون أحياناً بالفوضوية أو العجز عن العمل الجماعي، ينجحون في إدارة مهام ضخمة حين يشعرون أن الغاية تخصهم حقاً، وأن العمل ليس مفروضاً عليهم من جهة بعيدة، بل صادر من داخل وجدانهم.

وهنا نصل إلى حقيقة مهمة: كثير من أزمات العمل العام لا تنتج من عجز الناس عن التنظيم، بل من فقدانهم الثقة بالغاية أو الجهة التي تديرهم. فالإنسان حين يشعر أن جهده سيذهب إلى الفساد، أو أن غيره سيستثمر تعبه لمصلحة خاصة، يتراجع حماسه، ويؤدي الحد الأدنى. أما حين يرى أن العمل ينتمي إليه، وأن غايته واضحة، وأن قيمته معترف بها، فإنه يقدّم طاقة قد لا يقدمها في مؤسسة رسمية.

من هنا يمكن النظر إلى المواكب بوصفها دليلاً على أن المجتمع العراقي، والمجتمع الشيعي عموماً، يمتلك خبرة كبيرة في العمل التطوعي وتنظيم الموارد وتعبئة الطاقات. وهذه الخبرة ينبغي ألا تبقى محصورة في الموسم، بل يمكن دراستها والاستفادة منها في مجالات الإغاثة والخدمة الاجتماعية ومساعدة الفقراء ومواجهة الكوارث وتنظيم المبادرات الثقافية.

المجتمع الذي يعمل قبل الدولة

تكشف زيارة الأربعين كذلك عن صورة مهمة للعلاقة بين المجتمع والدولة. ففي عدد من الدول الحديثة، اعتاد الناس أن ينتظروا المؤسسات الرسمية في كل شيء: هي التي تنظّم، وتمول، وتخدم، وتعالج، وتراقب. ومع أن للدولة دوراً لا غنى عنه في الأمن والبنية التحتية والنقل والصحة، فإن الاعتماد الكامل عليها يضعف حس المبادرة لدى المجتمع.

أما في الأربعين، فإن المجتمع لا ينتظر الدولة حتى تبدأ الخدمة. بل تبدأ الأسر والعشائر والمواكب والجمعيات والأفراد بالإعداد قبل الموسم بمدة طويلة، ويجمعون الموارد، ويحددون المهام، ويهيئون المواقع، ويستقبلون الناس. وتأتي الدولة، في أفضل الحالات، لتكمل هذا الجهد وتحميه وتنظمه، لا لتنشئه من الصفر.

وهذا النموذج بالغ الأهمية؛ لأنه يذكرنا بأن المجتمع الحي ليس هو الذي تحل الدولة محله، بل الذي يتعاون مع الدولة من موقع القوة الأخلاقية والمبادرة. فالدولة تستطيع بناء طريق، لكنها لا تستطيع أن تزرع وحدها روح الكرم. وتستطيع أن تنشر رجال الأمن، لكنها لا تستطيع أن تفرض المحبة بين الناس. وتستطيع أن توفر المستشفى، لكنها لا تستطيع أن تأمر إنساناً بأن يسهر طوعاً على خدمة من لا يعرفه.

لهذا فإن قوة زيارة الأربعين لا تقاس فقط بعدد المشاركين فيها، بل بقدرتها على تعبئة المجتمع من أسفله، من البيوت والأحياء والعشائر والمجموعات الصغيرة. إنها حركة لا تبدأ من قرار مركزي، بل من آلاف القرارات الفردية التي تلتقي حول غاية واحدة.

وهذه من أهم صور القوة الاجتماعية: أن يستطيع الناس إنتاج النظام من داخلهم، لا أن ينتظروا دائماً من يفرضه عليهم من الخارج.

هل المجتمع في الأربعين مجتمع مثالي؟

من الخطأ أن نحول الصورة إلى مثال خيالي خالٍ من النقص. فهناك مشكلات في التنظيم، وهدر في بعض الموارد، وتفاوت في مستوى الوعي، ومظاهر قد تحتاج إلى مراجعة، وأحياناً يغلب الاهتمام بالكم على النوع، أو بالطعام على بقية أشكال الخدمة. لكن وجود هذه الملاحظات لا يلغي القيمة الكبرى للتجربة، بل يجعلها أكثر حاجة إلى التطوير.

فالمطلوب ليس أن نمدح كل ما يحدث، ولا أن نتعامل مع النقد بوصفه إساءة إلى الشعيرة، بل أن نفهم أن الإخلاص وحده لا يعفي من حسن الإدارة، وأن المحبة تحتاج إلى معرفة، وأن الموارد التي تجمع باسم الحسين ينبغي أن تدار بأفضل صورة ممكنة.

من هنا يمكن للمواكب أن تطور خدماتها بحيث لا تقتصر على الإطعام، مع عظمة الإطعام، بل تشمل التوعية الصحية، والإرشاد، والنظافة، وحماية البيئة، وخدمة كبار السن وذوي الإعاقة، وتنظيم المرور، والتعريف برسالة الحسين بلغات متعددة، وتقديم صورة حضارية عن المجتمع الذي يحمل اسمه.

فليس السؤال: هل نطعم الزائر؟ بل: كيف نخدمه على أفضل وجه؟ وكيف نحفظ كرامته؟ وكيف نمنع التبذير؟ وكيف نجعل كل دينار وكل ساعة وكل جهد أكثر نفعاً؟

وهذه الأسئلة لا تقلل من شأن العطاء، بل تحميه من العشوائية، وتمنحه القدرة على الاستمرار والتأثير.

لماذا تظهر هذه الطاقة في الأربعين؟

يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كان المجتمع قادراً على هذا القدر من التنظيم والعطاء والثقة، فلماذا لا تظهر هذه الطاقة بالدرجة نفسها في بقية مجالات الحياة؟

كيف يستطيع الناس إدارة آلاف المواكب، ثم تتعثر أحياناً مشاريع صغيرة في أحيائهم؟ كيف يحرص الإنسان على نظافة المكان الذي يخدم فيه الزائر، ثم لا يبدي الحرص نفسه على الشارع العام؟ كيف يثق بالغريب في الزيارة، ثم يسيء الظن بجاره أو شريكه في الأيام العادية؟

إن هذا السؤال ينبغي ألا يطرح بلغة الاتهام، بل بلغة الاكتشاف. فزيارة الأربعين تثبت أن الطاقة موجودة، لكن استدعاءها يحتاج إلى معنى مشترك قوي. في الزيارة تكون الغاية واضحة، والرمز جامعاً، والعمل ذا قيمة روحية، والنتيجة مرئية، ولهذا يتحرك الناس بحماسة. أما في الحياة اليومية فتضعف المعاني الجامعة، وتدخل المصالح الضيقة، ويشعر الفرد أن جهده لن يغيّر شيئاً، أو أن غيره سيستفيد من تعبه.

المشكلة إذن ليست في أن المجتمع لا يستطيع، بل في أنه لا يجد دائماً ما يوحد طاقته ويمنحه الثقة. ومن هنا يمكن لزيارة الأربعين أن تكون درساً اجتماعياً: إن المجتمعات لا تتحرك بالقوانين وحدها، بل تحتاج إلى قصة تؤمن بها، وغاية تراها أكبر من أفرادها، ورمز يجمع شتاتها.

لكن هذا لا يعني أن نحول كل نشاط اجتماعي إلى شعيرة، بل أن نستفيد من منطق الشعيرة: وضوح الهدف، وكرامة الخدمة، والشعور بالانتماء، وتحويل الفرد من متلقٍ إلى شريك.

العراق كما يقدمه أبناؤه

تكتسب هذه الظاهرة أهمية خاصة في العراق. فالعراق الذي ارتبط في أذهان كثيرين بالحروب والانقسامات والإرهاب والفساد، يقدم في الأربعين صورة مختلفة عن نفسه. يظهر بوصفه بلداً قادراً على استقبال الملايين، وفتح البيوت، وتنظيم الطرق، وتحويل القرى والمدن إلى مساحات للخدمة.

هذه الصورة لا تلغي جراح العراق ولا مشكلاته، لكنها تكشف أن العراق ليس هو ما يظهر في نشرات الأخبار فقط. ففي داخله رصيد هائل من الكرم والارتباط الديني والتكافل الاجتماعي والقدرة على النهوض.

بل يمكن القول إن الشعب العراقي، من خلال الأربعين، يعيد تعريف وطنه أمام العالم. فهو لا يقدمه بوصفه أرض الصراع وحدها، بل بوصفه أرض الضيافة والزيارة والاحتضان. ولا يقدمه من خلال خطاب إعلامي مصطنع، بل من خلال سلوك يراه الزائر بعينه ويختبره بنفسه.

وهذا النوع من الصورة أقوى من الدعاية؛ لأن الإنسان قد يشك في الكلمات، لكنه لا يشك في بيت فتح له، ولا في طعام قدم إليه، ولا في يد امتدت لمساعدته.

ومن هنا فإن زيارة الأربعين ليست مناسبة دينية عراقية فحسب، بل فرصة حضارية لتقديم العراق والعراقيين إلى العالم. لكنها فرصة تحتاج إلى وعي، لأن الصورة قد تتضرر بسبب سوء التنظيم أو الإهمال أو الخطاب المنغلق. وكلما ارتفع مستوى الخدمة والاحترام والنظافة والانضباط، أصبحت الزيارة أكثر قدرة على التعبير عن روح الحسين وعن الوجه الحقيقي للعراق.

من الحشد إلى المجتمع

إن التحدي الأكبر ليس في جمع الناس، بل في تحويل الحشد إلى مجتمع. فالحشد قد يجمع الأجساد في مكان واحد، لكنه لا يضمن نشوء علاقة بينها. أما المجتمع فيقوم على الثقة والمسؤولية والتعاون والشعور بأن مصير الفرد مرتبط بمصير غيره.

وزيارة الأربعين تنجح إلى حد بعيد في تحويل الجموع إلى شبكة تعاون. فكل واحد يقدم جزءاً من الحاجة، ولا يستطيع أحد بمفرده أن يقوم بكل شيء. هذا يطعم، وذاك ينظف، وثالث يرشد، ورابع يعالج، وخامس ينقل، وسادس ينظم. ومن مجموع هذه الأدوار الصغيرة تنشأ ظاهرة كبرى.

وهنا تكمن إحدى أهم رسائل الأربعين الاجتماعية: الأعمال العظيمة لا تصنعها دائماً المؤسسات الضخمة، بل قد تصنعها آلاف المساهمات الصغيرة حين تتجه نحو هدف واحد. والمجتمع لا يحتاج إلى أن يكون كل أفراده أبطالاً استثنائيين، بل يحتاج إلى أن يؤدي كل واحد منهم دوره بأمانة.

إن زيارة الأربعين تقدم نموذجاً لمجتمع يكتشف قدرته على العمل حين يجتمع حول قيمة. وهي تكشف أن الأخلاق ليست فضائل فردية فقط، بل يمكن أن تتحول إلى بنية اجتماعية: الكرم يصبح موكباً، والثقة تصبح استضافة، والمحبة تصبح تنظيماً، والانتماء يصبح خدمة.

والسؤال الذي تتركه هذه التجربة أمامنا ليس: كيف نحافظ على أجواء الأربعين طوال العام؟ فهذا غير ممكن ولا مطلوب بالمعنى الحرفي، بل: كيف نحافظ على المنطق الاجتماعي الذي كشفته الأربعين؟ كيف ننقل روح المبادرة إلى أحيائنا، والثقة إلى علاقاتنا، والتعاون إلى مؤسساتنا، واحترام الآخر إلى حياتنا العامة؟

حين ننجح في ذلك، لا تبقى الزيارة موسماً يدهشنا كل عام ثم ينتهي، بل تصبح دليلاً على صورة المجتمع الذي نستطيع أن نكونه.

فزيارة الأربعين لا تخبرنا فقط عن مقدار حب الناس للحسين، بل تكشف أيضاً عن مقدار القوة الكامنة في المجتمع حين يجتمع على معنى، ويتحرر مؤقتاً من الحسابات الضيقة، ويكتشف أن خدمة الآخر ليست خسارة، وأن العطاء لا يفقر الإنسان، وأن اليد التي تمتد للغريب تستطيع أن تبني وطناً.

وهنا تكمن فلسفتها الاجتماعية الأعمق: إنها تذكرنا بأن المجتمع لا يصنعه القانون

وحده، ولا الاقتصاد وحده، ولا السلطة وحدها، بل تصنعه أيضاً القيم التي يؤمن بها الناس حين تتحول إلى عمل.

مشاركة: