رجوع
لماذا عاشوراء؟ قراءة في ثورة الحسين من غياهب المأساة إلى آفاق الأمن والسلام

لماذا عاشوراء؟ قراءة في ثورة الحسين من غياهب المأساة إلى آفاق الأمن والسلام

الشيخ مصطفى الهجري

يطرح الكثيرون في أيامنا هذه تساؤلات جوهرية تتكرر مع كل إطلالة لشهر محرم الحرام: لماذا عاشوراء؟ ولِمَ هذا الإصرار الدائم على استعادة ذكرى كربلاء عاماً بعد عام؟ أليس في عاشوراء الحاضر وما نعيشه من أزمات ما يغني عن الرجوع إلى عاشوراء التاريخ؟ أليس في مآسينا المعاصرة أكثر مما جرى في كربلاء، فلِمَ نضيف كربلاءَ إلى كربلائنا، ونراكم آلاماً فوق آلامنا؟ والأهم من ذلك كله، أليست عاشوراء، بطريقة استعادتها النمطية اليوم، تبدو وكأنها مصدر توتّر وعامل تفرقة بين المسلمين، بدل أن تكون كما أُريد لها، مصدر إلهام وعنصر اطمئنان وفرصة عظيمة للتوحّد في مواجهة الطواغيت والظالمين؟

إن الإجابة الواعية عن هذه الأسئلة تحتم علينا العودة الجادة إلى عاشوراء بوصفها "قضية وأهدافاً" لا مجرد حدث تاريخي عابر. ولدى دراسة هذه الأهداف الحسينية بدقّة وعناية، سنكتشف حقيقة غائبة، وهي أنّ ثمة هدفاً حسينياً عاشورائياً أصيلاً قد أضعناه للأسف في صخب المأساة وضوضائها. لقد طغت المأساة في تفاصيل عاشوراء على ما عداها من قيم الثورة النبيلة وأهدافها السامية، وتلك لعمري هي المأساة الحقيقية لهذه الذكرى المبدعة والخلاقة.

هذا الهدف الضائع الذي نبحث عنه هو عنصر "الأمن والأمان" الذي أرادت هذه الثورة إعادته إلى الأمة الإسلامية. فالإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن يوماً داعية شقاق وحرب، ولا مولعاً بسفك الدماء وإزهاق الأرواح، ولم يكن ثائراً لمجرد التمرد والثورة، بل كان داعية سلام وتوحيد، أراد توحيد الأمة على مبادئ الرسالة الإسلامية النقية. إنّ كلّ ما استهدفته النهضة الحسينية المباركة هو أن تستعيد الأمة أمنها السليب وسلامها المفقود الذي سلبته إياها طغمة الاستبداد.

وربّما يتساءل البعض معترضاً ومستغرباً: أيُّ أمن أو سلام هذا الذي تتحدّثون عنه، والحال أنّ النهضة الحسينية بكلّ فصولها وأحداثها هي مسيرة يلفّها القلق، ويكلّلها الخوف، وتتحرّك في طريق محفوف بالقتل وسفك الدماء؟

ولكننا في معرض الإجابة عن ذلك نقول بكل يقين: لا تعجب ممّا ذكرناه، فإنّ رسالة الحسين (عليه السلام) هي تجسيدٌ حي لرسالة الإسلام، ورسالة الإسلام ما هي إلّا رسالة أمن وسلام، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ الأنفال: 24. فالإسلام بالأساس هو رسالة حياة، ولا يمكن أن تقوم حياة بدون أمن واستقرار.

الجاهلية.. ومأساة الأمن السليب

ولتتّضح لنا عمق علاقة الإسلام بالأمن والاطمئنان، حري بنا أن نلقي إطلالةً سريعة على المشهد العام قبل بعثة النبي (صلى الله عليه وآله)، لنتساءل: كيف كانت الصورة آنذاك؟

إنّ الصورة العامة لما كانت عليه الجاهلية وحياة الإنسان في ذلك الزمن، هي عبارة عن لوحة قاتمة لقبائل متناحرة متقاتلة، يُغيرُ بعضُها على بعض لأتفه الأسباب، وصورة إنسان مهدور الكرامة، يُسلب ويُقتل ويُسبى في وضح النهار. لقد كان الإنسان يفتقد الأمن على المستوى الحياتي بالكامل، وكذلك يفتقده بمرارة على المستوى الأخلاقي، إذ يكفيك أن تعرف أنّ الإنسان الجاهلي قد وصل به الانحطاط الخلقي إلى درجة إكراه فتياته وإمائه على البغاء حتّى لو أردن تحصّناً وعفة، وذلك بهدف الكسب المالي الرخيص، كما نصّ على ذلك الذكر الحكيم في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ النور: 33.

ولم يكن هناك أمن على المستوى الاجتماعي قط، إذ كانت الطبقية والعبودية وقطع الأرحام ووأد البنات البريئات هي سيّدة الموقف. ولا أمن على المستوى الاقتصادي، فالربا الفاحش والقمار وأكل المال بالباطل وتجارة الرقيق هي من أشهر تجارات العربي آنذاك. وفوق ذلك كلّه، فلا أمن على المستوى الروحي، لأنّ عبودية الأصنام والحجارة لا تمنح الإنسان أمناً روحياً ولا سلاماً داخلياً يطمئن إليه قلبه. فأيُّ أمن روحيّ يمكن أن يستمده العربي من الأصنام وهو الذي حوّلها إلى مجرد وسيلة للتجارة؟! بل وبلغت به السخرية من عقله أن كان في بعض الأحيان يصنع إلهه من تمر حتى إذا جاع أكله!

في خضم هذا الجو المكفهر والملبد بغيوم الجهل والخوف، كانت بعثة رسول الله (صلى الله عليه وآله). ولم يمضِ ربع قرن من الزمن على بعثته ودعوته المباركة (صلى الله عليه وآله) حتى اجترح المعجزة الكبرى، عندما حوّل تلك الجماعات المتقاتلة المشتتة إلى أمة واحدة لها كيانها وهويتها المستقلة، أمة مترابطة متكافلة. لقد أعاد للإنسان ثقته بنفسه، وأرسى في ذلك المجتمع منظومةً أخلاقيةً متينة وقيماً إنسانية سامية فكان الإسلامُ بحق دينَ الأمن والسلام والرحمة.

إنّ مشكلة الإنسان، مطلق الإنسان في كل زمان ومكان، وليس الإنسان العربي والجاهلي فقط، هي مشكلة "الأمن" بكلّ أبعاده. فالأمن هو حاجة فطرية متجذرة في أعماق الإنسان، لذا نرى أنّ لديه تطلّعاً فطرياً لا يهدأ نحو الأمن، فهو يطمح دوماً أن يعيش بأمن وسلام واطمئنان. وقد لا يدرك الكثيرون قيمة هذه النعمة العظيمة إلّا بعد افتقادها وتجرع مرارة الخوف، وقد ورد في الحديث الشريف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «نعمتان مجهولتان: الأمن والعافية»، روضة الواعظين، الفتّال النيسابوري (ت: ٥٠٨هـ)، ص٤٧٢.

الإسلام.. منظومة الأمن الشامل

ولكن، كيف حقّق النبيّ (صلى الله عليه وآله) هذه المعجزة الكبرى؟

الجواب يكمن في أنّه، واستجابة لهذه الحاجة الفطرية الملحة عند الإنسان نحو الأمن على جميع الأصعدة، فإنّ الإسلام في كلّ تشريعاته وعقائده ومفاهيمه قد هدف إلى توفير هذه الحاجة للناس جميعاً، فكانت رسالة الإسلام منسجمة تماماً مع تطلعات الفطرة الإنسانية وملبية لكل مقتضياتها.

فعلى مستوى الأمن الشخصي والحياتي، حرّم الإسلام تحريماً قاطعاً كلّ ما يمسّ بالنظام العام، فحرّم السرقة والتعدّي والقتل، وكلّ ما يؤدّي إلى إقلاق راحة الناس وإزعاجهم. وبذلك يهيئ الأرضية الخصبة والصالحة لانتعاش الحركة الاقتصادية والعمرانية، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ﴾، النحل: 112. فلا استقرار من الناحية الاقتصادية مطلقاً مع انتشار الخوف والذعر بين أفراد المجتمع، ولذا تضيف الآية الكريمة المتقدمة لتبيّن عاقبة التفريط بالأمن: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾، النحل: 112.  فبسوء أفعالهم وضياعهم وعدم رعايتهم لضوابط استقرار المجتمع سُلبت عنهم نعمة الأمن.

وعلى المستوى الاجتماعي، دعا الإسلام وحث بقوة على كلّ ما من شأنه تمتين أواصر المجتمع وتلاحمه، كصلة الأرحام، وزيارة الإخوان، ورعاية حقوق الجار، وعيادة المرضى، وتشييع جنازة المؤمن، ونبذ في المقابل كلّ ما يؤدّي إلى التنابذ والتناحر وتعميق الفوارق وقطع الجسور مع الآخر، فحرم الغيبة والنميمة والفتنة، والتكبّر والتعدّي على الناس وإزعاجهم.

وعلى مستوى الأمن الأخلاقي، أسس الإسلام لتحصين المجتمع من الداخل، معتبراً أنّ الصدق والأمانة هما عنوان الإيمان الحقيقي، وفي ضوئهما يختبر تديّن الإنسان الفعلي، كما روي في الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام): «لا تغتروا بصلاتهم ولا بصيامهم، فإنّ الرجل ربما يلهج بالصلاة والصوم حتى لو تركه استوحش ولكن اختبروهم عند صدق الحديث وأداء الأمانة» الكافي ج ٢ ص ١٠٤. وحرّم كلّ ما من شأنه أن يمسّ بالأخلاق العامة، فمنع العلاقات غير الشرعية من الزنا والشذوذ والكذب والغدر. ولم يكن عبثاً أبداً أن يُلخّص رسول الله (صلى الله عليه وآله) رسالته العظيمة بكلمة مختصرة جامعة مروية عنه، وهي قوله (صلى الله عليه وآله): «إنّما بُعثت لأُتَمِّمَ مكارم الأخلاق» مكارم الأخلاق للطبرسي ص٨.

وعلى المستوى الاقتصادي، نجد الأمر عينه يتجلى بوضوح، حيث هدف الإسلام في منظومته التشريعية الاقتصادية إلى تحقيق الاستقرار المادي وردم كلّ الفجوات الطبقية والاجتماعية، فأمر بالزكاة والخمس، وندب إلى الإحسان والصدقة، وحرّم الربا والاحتكار وأكل المال بالباطل ليحقق بذلك استقراراً اقتصادياً متوازناً في المجتمعات، لأنّ الفقر بلا شك يؤدي إلى الطبقية، والطبقية تؤدي إلى العداوة وتبعث على الضغينة والتقاتل.

والأمر عينه نجده على المستوى الصحيّ والغذائيّ والبيئيّ، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ قريش: 4. وقد تبلور هذا في الحديث الشريف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «من أصبح معافى في جسده آمناً في سربه، عنده قوت يومه فكأنّما حيزت (خيرت) له الدنيا» الخصال للصدوق ص ١٦١، والأمالي ص ٤٦٩. وهذا الحديث، كما يُلاحظ المتأمل، يتحدّث بوضوح عن ثلاثة أبعاد محورية للأمن، وهي: الأمن الصحي، والأمن الحياتي، والأمن الغذائي.

الأمن.. أولوية تسبق الاقتصاد والعبادة

إنّ الأمن على المستوى الشخصي والحياتي العام يكتسب في المنظور الإسلامي أهمية بالغة الخطورة، ما يجعله يتقدّم حتى على الشأن الاقتصادي البحت. ومن هنا وجدنا أنّ نبي الله إبراهيم (عليه السلام) في دعائه المخلص لمكة وأهلها يقدّم طلب الأمن على طلب الرزق، حيث يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ البقرة: 126.

وهكذا، فإنّ الأمن بمعناه الشامل المذكور يأتي قبل العبادة نفسها، إذْ لن يتسنى للإنسان أن يعبد الله تعالى كما ينبغي وبقلب خاشع مع شيوع الفوضى والرعب بين الناس. ومن هنا يحدّثنا القرآن الكريم عن صورة المجتمع الأمثل النموذجي الذي وعد الله به عباده الصالحين، مقدماً الأمن كشرط للعبادة الخالصة، فيقول: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ النور: 55.

ولكن كلّ ذلك ما كان ليكفي بإشباع حاجة الإنسان العميقة إلى الأمن، ما لم يترافق مع توفير مستوى آخر وأعلى من الأمن الذي يتطلع إليه الإنسان بشغف، ألا وهو "الأمن الروحي والنفسي". فإنّ الإنسان حتى لو عاش في مجتمع آمن حياتياً ومتواصل اجتماعياً وعاش برفاهية اقتصادية ومناعة أخلاقية عالية، فإنّ ذلك على أهميته القصوى لا يعطيه سلاماً روحياً داخلياً. ألا ترون في عالمنا المعاصر أنّ بعض الذين يقدمون على الانتحار وإنهاء حيواتهم كانوا يعيشون رغد الحياة المادية ووفرتها، ومع ذلك أقدموا على وضع حدٍّ لحياتهم؟ لماذا يا ترى؟ لأنّ هذه الرفاهية المادية الجوفاء لم تعطهم سلاماً واطمئناناً داخلياً. إنّ الأمن الروحي لا يمكن أن يتحقق إلا بالعودة الصادقة إلى الله، وإلّا بذكر الله، كما قال جل وعلا: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ الرعد: 28. ومن هنا فإنّ المنظومة العبادية في الإسلام من صلاة وصوم ودعاء وغيرها، ما هي إلّا وسائل وأدوات ترمي إلى إيصال الإنسان إلى الاطمئنان الروحي، والحقيقة الساطعة أنّ كلّ أشكال الأمن المادي الأخرى لا يمكن أن تتحقق بصورتها المثلى إن لم يحصّنها ويغلفها الأمن الروحي.

معادلة الإيمان والأمان

هذا الترابط العميق يجعلنا أمام معادلة قرآنية ووجودية هامة، وهي أنّ الأمن العام على جميع مستوياته إنّما يكتمل بالإيمان وذكر الله، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ الانعام: 82. ولهذا، فكلما وجدت أنّ المجتمع مستقرّ من الناحية الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والروحية، فاعلم يقيناً أنّه مجتمع مؤمن وسائر على خط الحسين (عليه السلام). وكلّما كان مجتمعاً مهتزّاً اجتماعياً ويعيش إنسانه القلق الروحي والتفلّت الأخلاقي وتتفشّى فيه الجريمة والانحلال، فهذا مؤشّر خطير على أنّ الإيمان قد غادر هذا المجتمع حتّى لو كان أفراده يصلّون ويصومون ويبكون على الحسين (عليه السلام) ويقيمون المجالس في بيوتهم. إنّ مجتمعاً يسوده القلق والخوف والجريمة وتنتشر فيه النميمة والغيبة والضغينة، أنّى له أن يكون مجتمعاً مؤمناً؟!

وبهذا يتبين بوضوح أنّ العقيدة الإسلامية ليست عقيدة تجريدية ذهنية جامدة، بل هي عقيدة حركية حية تملأ القلب والوجدان، كما تُرضي العقل والفكر، وتساهم بقوة في صنع الأمن في حياة الإنسان. فالإيمان بالله يمنح الإنسان السلام والاستقرار، وكذا الإيمان بالمعاد. إنّ العقيدة الصحيحة لا بدّ أن تقدّم إجابات مقنعة ومورثة لليقين حول أسئلة المصير الكبرى التي تُقلق الإنسان وتقتحم عليه فكره.

وهكذا الحال في العبادات، فصلاتك إن لم تمنحك سلاماً روحياً واستقراراً عائلياً ومجتمعياً فهي مجرد "مسمى صلاة" وليست جوهر الصلاة، فإنّ الصلاة الحقيقية هي صلاة القلب التي تتناغم مع حركات الجسد، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الحديد: 16.

إنّ علينا أن نعيش في أمان حقيقي مع الله قبل كلّ شيء لنعيش في أمان مع أنفسنا ومع الناس من حولنا، فالله جل جلاله هو الذي يعطينا الأمن لأنفسنا ولمجتمعنا، وإذا عشت الأمن مع الله فحسبك ذلك، ويقول سيّدنا أبو عبد الله الحسين (عليه السلام) في جوابه لعمرو بن سعيد على كتاب الأمان الدنيوي الذي قدّمه له: «فخير الأمان أمان الله ولن يُؤْمِنَ اللهُ يومَ القيامة من لم يخفْ في الدنيا، ونسأل الله مخافة في الدنيا توجب لنا أمانه يوم القيامة» تاريخ الطبري ج٤ ص٢٩٢.

.

صمّامات الأمان في الأمة

وتأكيداً على حاجة الإنسان الماسة إلى الأمن بكلّ أبعاده، فإنّ الإسلام، وبالإضافة إلى ما تقدّم، قد جعل في حياة الإنسان صمّامات أمان تقيه من الانزلاق في مهاوي الخوف والضياع، وهي:

أولاً: المكان الآمن، ويطالعنا على هذا الصعيد مكة المكرمة، فهي واحة أمن وسلام يأمن فيها الإنسان بل والحيوان والطير، قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ البقرة: 125، وكانت هذه رغبة شيخ الأنبياء إبراهيم الخليل، حيث دعا ربه قائلاً: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ البقرة: 126، وفي آية أخرى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ إبراهيم: 35. وكم كان الإمام الحسين (عليه السلام) يقدّر حرمة هذا البلد الآمن عندما خرج منه مخافة أن تُنتهك حرمته ويُقتل هناك!

ثانياً: الزمان الآمن، فهناك الأشهر الحُرُم التي يحرم فيها القتال، ليستريح المقاتلون وتأمن الناس، وهناك شهر رمضان الذي يفترض أن يساهم في تحقيق الأمن الروحي والاجتماعي والاقتصادي للإنسان، ومن أعظم ليالي هذا الشهر المبارك ليلة القدر التي هي كما وصفها الله تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ القدر: 5.

ثالثاً: الإنسان الذي يمثل الأمن والأمان، وفي الطليعة يأتي المعصوم (عليه السلام). والحقيقة أنّ هذا هو سرّ حاجتنا العميقة إلى الرسل والأئمة (عليهم السلام)، فالمعصوم ليس مجرد سلطان أو حاكم سياسي، وإنّما هو ـ من خلال رسالته ومهمته وشخصه ـ الملجأ والحصن والكهف المنيع. في حديث ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس» المستدرك للحاكم، ج٣، ص١٢٩..

وعنه (صلى الله عليه وآله) أيضاً: «النجوم أمان لأهل السماء فإن طمست النجوم أتى السماء ما يوعدون، وأنا أمان لأصحابي فإذا قُبضت أتى أصحابي ما يوعدون، وأهل بيتي أمان لأمتي فإذا ذهب أهل بيتي أتى أمتي ما يوعدون» المستدرك للحاكم، ج٣، ص٤٥٧..

وعن سيّدتنا الزهراء (عليها السلام) في خطبتها الشهيرة تصرح بهذا المعنى: «جعل الله الإيمان تطهيراً من الشرك... وإمامتنا أماناً من الفرقة» بحار الأنوار، ج٢٩، ص٢٢٣..

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) مبيناً هذا الدور: «كان في الأرض أمانان من عذاب الله، أما أحدهما فقد رُفع وهو رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدونكم الآخر فتمسكوا به وهو الاستغفار، ثمّ تلا قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ الانفال: 33.

وهذا هو الدور الأساسي والجوهري للنبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة من أهل البيت (عليهم السلام). فدورهم الأساس ليس تولي السلطة الزمنية، وإن كانوا أولى بها من غيرهم، وإنّما دورهم الأساس هو في مرجعيتهم الروحية والفكرية التي تمتاز بأنها تحقق الأمن والسلام والضمان للإنسانية جمعاء.

وما يؤسف له حقاً، أنّنا في خطابنا الديني المعاصر نركّز على المرجعية الزمنية والسياسية لأهل البيت (عليهم السلام) أكثر مما نركّز على إمامتهم الروحية والمعرفيّة. ولذلك نخوض في هذا الجدل التاريخي الكبير حول إثبات أحقّيتهم بالخلافة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله)، ونكتب عشرات بل مئات الكتب والمجلدات لإثبات ذلك، ويا حبّذا لو أننا نبذل بعض هذا الجهد المضني في تأكيد وإبراز المرجعية العلمية والروحية التي تنير دروب الحيارى. صحيح أنّ السلطة الزمنية حقٌّ أصيل لهم، ولكنّهم ما أرادوها قط كغاية، بل ليحققوا من خلالها الأمن للأمة، ويفشوا العدل في الناس، كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) موضحاً غايته: «اللهم إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا منافسةً في سلطان ولا التماسَ شيء من فُضُول الحُطام ولكن لنرد المعالم من دينك ونظهرَ الإصلاح في بلادك فيأمنَ المظلمون من عبادِك وتُقامَ المُعَطَّلَةُ من حدودِك» نهج البلاغة، ج٢ ص١٣.. لقد كان عليّ (عليه السلام) صمّام أمن وأمان للناس، وهذا هو دور كل الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام).

الحسين (عليه السلام).. مصباح هدى ومشروع أمن

والإمام الحسين (عليه السلام) هو أحد هؤلاء الأئمة العظام الذين جسَّدوا هذا المعنى بأبهى صوره، فكان صمّام أمن وأمان للناس حتّى في ذروة ثورته وحركته. وهو ما أشار إليه الحديث الشريف بوضوح: «الحسين مصباحُ الهدى وسفينةُ النَّجاة»، انظر: عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج١ ص٦٢، فإنّ المصباح هو الذي يمنح الإنسان النور ليأمن من العثرات في الطريق المظلم، والسفينة هي التي تمنحه الاستقرار والأمن والنجاة من مخاطر الأمواج وتلاطمها.

ولهذا فإنّ حركة الإمام الحسين (عليه السلام) لم تكن أبداً حركة فتنة ولا شقاق لتمزيق الأمة، كما يحاول البعض تصويرها، يقول (عليه السلام) معلناً أهدافه: «إني لم أخرج أشِراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي». وفي رسالته (عليه السلام) لعمرو بن سعيد يؤكد: «أمّا بعد فإنّه لم يشاققِ الله من دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال: ﴿إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ..﴾. ولو أنّنا نظرنا وتأملنا في كلّ شعارات الثورة الحسينية لوجدناها شعارات إسلامية نقية ترمي إلى تحقيق الخير والأمان للناس.

لقد استطاعت السلطة الكسروية الأموية في ذلك الوقت أن تسلب من الناس أَمْنَهم واستقرارهم وتماسكهم وأخلاقهم وروحانيتهم، وكادت أن تعيد الأمة إلى ما يشبه عصر الجاهلية الأولى. وأراد الحسين (عليه السلام) بثورته وتضحيته أن يعيد للناس شيئاً من هذا الأمن المفقود، يقول (عليه السلام) في رسالته البليغة إلى أهل البصرة: «فإنّ السنة قد أُميتت والبدعة قد أحييت فإن تسمعوا قولي أهدكم سبيل الرشاد» الكامل في التاريخ، ج٤، ص ٢٣.

.


مشاركة: