الشيخ مصطفى الهجري
كثيراً ما يُطرح تساؤل جوهري عند دراسة التاريخ الإسلامي: لماذا التزم الإمام الحسين (عليه السلام) بالهدنة طوال فترة حكم معاوية بن أبي سفيان التي امتدت لعشر سنوات بعد استشهاد أخيه، بينما اختار طريق الثورة والمواجهة المباشرة بمجرد تولي يزيد للسلطة؟
للإجابة على هذا التساؤل، لا بد من قراءة متأنية للظروف السياسية والاجتماعية التي أحاطت بكلتا المرحلتين. إن موقف الإمام الحسين لم يكن تناقضاً، بل كان تغييراً في التكتيك فرضه تغير الواقع الموضوعي، حيث تحرك الإمام وفقاً لمقتضيات المصلحة الإسلامية العليا في كلتا الفترتين.
مرحلة معاوية: الوفاء بالعهد ودرء الفتنة
التزم الإمام الحسين (عليه السلام) بالهدوء السياسي في عهد معاوية لعدة اعتبارات سياسية واجتماعية وشرعية بالغة الأهمية:
الالتزام ببنود الصلح: لقد أبرم الإمام الحسن (عليه السلام) معاهدة صلح مع معاوية لحقن دماء المسلمين، وكان الحسين (عليه السلام) ملتزماً بهذا العهد الشرعي والأخلاقي. إن نقض العهد دون مبرر واضح وجليّ كان سيشوه الموقف المبدئي لأهل البيت (عليهم السلام).
دهاء السلطة والمظاهر الإسلامية: كان معاوية يمتلك دهاءً سياسياً مكنه من الحفاظ على الشكل العام للدولة الإسلامية. ورغم استئثاره بالسلطة واستخدامه للقمع، إلا أنه لم يكن يتجاهر بانتهاك المحرمات بطريقة تستفز مشاعر الأمة الإسلامية كافة. لو ثار الحسين (عليه السلام) حينها، لتمكنت الآلة الإعلامية الأموية من تصوير ثورته على أنها "تمرد شخصي" ونكث للعهد، ولأُجهضت الثورة دون أن تحقق هدفها التوعوي.
الإنهاك الاجتماعي: كانت الأمة آنذاك خارجة لتوها من صراعات داخلية طاحنة (حروب الجمل، وصفين، والنهروان). المجتمع الإسلامي كان يتوق إلى الاستقرار ولم يكن يمتلك الاستعداد النفسي لتقبل ثورة جديدة، مما يعني أن أي تحرك عسكري كان محكوماً بالعزلة الشعبية.
مرحلة يزيد: خطر التحريف وضرورة الثورة
بموت معاوية وتولي ابنه يزيد، تغيرت المعادلة جذرياً، وباتت الثورة خياراً حتمياً للأسباب التالية:
نقض الصلح وتأسيس الملك العضوض: بتوريث السلطة ليزيد، نُقض أهم بند من بنود صلح الإمام الحسن (عليه السلام) الذي نص على أن يؤول الأمر بعد معاوية للشورى أو لأهل البيت. تحولت الخلافة رسمياً إلى ملك وراثي (كسروي/قيصري)، مما تطلب وقفة تاريخية لرفض هذه السابقة الخطيرة.
المجاهرة بالفسق وتهديد هوية الإسلام: كانت شخصية يزيد تفتقر لأدنى مقومات القيادة الإسلامية؛ فقد عُرف بتجاهره بالمعاصي واستخفافه بالمقدسات. الخطر هنا لم يعد مقتصراً على "ظلم الحاكم"، بل امتد إلى "تحريف أصل الدين". عبر الإمام الحسين (عليه السلام) عن ذلك بقوله: «وعلى الإسلام السلام، إذ قد بُليت الأمة براعٍ مثل يزيد».
فرض البيعة بالقوة (معادلة السلة والذلة): في عهد معاوية، لم يُجبر الحسين (عليه السلام) على تقديم بيعة صريحة تُقر بالواقع. أما يزيد، فقد أرسل أوامره الصارمة لوالي المدينة بأخذ البيعة من الحسين بالقوة أو قتله. أصبح الخيار منحصراً بين الانصياع المذل الذي يعطي الشرعية لحاكم فاسد، أو الشهادة بعز، فكان الرد الحاسم: «مثلي لا يبايع مثله».
قيام الحجة الشعبية: تزامنت هذه الظروف مع وصول آلاف الرسائل من أهل الكوفة تدعو الإمام للقدوم وقيادة الأمة. من الناحية الشرعية والسياسية، أُقيمت الحجة على الإمام بوجود قاعدة جماهيرية تطالب بالتغيير وتعلن استعدادها للنصرة.
الخلاصة
لم يكن هناك تناقض بين هدوء الحسين (عليه السلام) في عهد معاوية وثورته في عهد يزيد. الهدنة الأولى كانت تكتيكاً فرضته ضرورة حفظ بقية الصالحين واحترام العهود في مجتمع منهك ومخدوع إعلامياً. أما الثورة، فكانت العلاج الأخير والكيّ الضروري لجسد الأمة عندما وصل الفساد إلى رأس الهرم السلطوي وبات يهدد العقيدة الإسلامية بالزوال.