رجوع
هل يكفي أن يكون المجتمع متديناً إذا فقد ذوقه؟

هل يكفي أن يكون المجتمع متديناً إذا فقد ذوقه؟

الشيخ معتصم السيد أحمد

ليس المقصود بالذوق هنا معرفة ألوان الملابس أو فنون العمارة أو قواعد المائدة، وإنما معنى أوسع بكثير: قدرة الإنسان على أن يترجم القيم التي يؤمن بها إلى صورة جميلة في كلامه وسلوكه ومظهره وعلاقاته وبيئته وطريقة اختلافه مع الآخرين. ومن هنا يمكن أن يكون الإنسان ملتزماً بالحلال والحرام، لكنه يفتقد شيئاً مهماً من كمال التدين إذا كان فظاً في حديثه، مهملاً في مظهره، فوضوياً في حياته، مؤذياً في الأماكن العامة، أو عاجزاً عن تقديم الحق بصورة جميلة.

والمشكلة أن التدين اختُزل أحياناً في سؤال واحد: هل هذا الفعل حلال أم حرام؟ وهو سؤال أساسي لا يمكن الاستغناء عنه، لكن الحياة الأخلاقية أوسع من دائرة الإلزام والتحريم. فهناك أفعال قد لا تكون محرمة بالمعنى الفقهي المباشر، لكنها قبيحة ومبتذلة ولا تليق بإنسان يريد أن يمثل الدين. وقد يملك الإنسان الحق في أن يقول شيئاً، لكن طريقة قوله تكون جارحة. وقد يكون موقفه صحيحاً، لكنه يقدمه بأسلوب ينفر الناس من الحق نفسه.

ولهذا لم يكتف القرآن بالعدل، مع أن العدل أساس العلاقات الإنسانية، بل قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾. والفرق بينهما يكشف جانباً مهماً من فلسفة الأخلاق الإسلامية؛ فالعدل يعطي كل إنسان حقه، أما الإحسان فيضيف إلى الحق جمال الأداء ورقته وإنسانيته. قد تؤدي ما عليك من واجب، لكن الإحسان يسأل أيضاً: كيف أديته؟ هل حفظت كرامة الإنسان؟ هل اخترت الكلمة الأجمل والطريقة الأنسب؟

ولهذا كان القرآن شديد العناية بجمال اللغة حتى في مواضع الاختلاف، فقال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، ولم يقل قولوا للمؤمنين وحدهم. وقال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. فليس المطلوب فقط أن يكون الإنسان صاحب حق، بل أن يمتلك الطريقة التي تليق بهذا الحق.

وهذه قضية نفتقدها أحياناً في الخطاب الديني والثقافي. فقد يظن الإنسان أن قوة العقيدة تبرر خشونة التعبير عنها، وأن غيرته على الدين تمنحه الحق في الاستهزاء بالمخالف، أو إهانته، أو التشكيك في نيته. بينما القرآن يمنع السخرية نفسها: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾، وينهى عن التنابز بالألقاب والغيبة وسوء الظن. فالدين لا يريد الانتصار للحقيقة بأي طريقة، لأن طريقة الدفاع عن الحقيقة جزء من أخلاق الحقيقة نفسها.

ولذلك ينبغي أن نسأل أنفسنا أحياناً: هل نحن نقدم الإسلام إلى الناس كما هو، أم نقدمه ممزوجاً بخشونتنا الشخصية؟ قد يكون الآخر مختلفاً معنا، لكن الاختلاف لا يبيح لنا أن نفقد أدبنا، وقد يكون مخطئاً، لكن خطأه لا يجعل كل وسيلة في الرد عليه مشروعة. بل إن قدرة الإنسان على حفظ أدبه مع من يختلف معه تكشف مقدار ما استطاع الدين أن يهذب انفعالاته، لا مقدار ما يحفظه من أدلة فقط.

والذوق لا يتعلق بالكلام وحده، بل يبدأ من علاقة الإنسان بنفسه ومظهره. فالقرآن يقول: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، ثم يواجه النزعة التي ترى الزينة والجمال أمراً يناقض التدين بقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾. بل ورد في الحديث عن الحسن بن محمد الطوسي في (الأمالي) عن أبيه، عن الفحام، عن المنصوري عن علي بن محمد الهادي عن آبائه عن الصادق عليهم السلام قال: «إن الله يحب الجمال والتجمل، ويبغض البؤس والتباؤس، فإن الله إذا أنعم على عبده بنعمة أحب أن يرى عليه أثرها، قال: قيل: كيف ذلك؟ قال: ينظف ثوبه، ويطيب ريحه، ويجصص داره ويكنس أفنيته حتى أن السراج قبل مغيب الشمس ينفي الفقر ويزيد في الرزق».

وهذا يكشف أن التجمل ليس بالضرورة مظهراً من مظاهر الغرور أو الترف، كما أن الزهد لا يعني أن يصبح الإنسان مهملاً أو منفراً. فهناك فرق بين البساطة والقبح، وبين التواضع والإهمال، وبين عدم التكلف وفقدان الذوق. المتدين لا يحتاج إلى أن يتظاهر بالبؤس حتى يثبت زهده، ولا إلى أن يهمل نظافته وهيئته حتى يثبت انشغاله بالآخرة.

والأمر نفسه ينطبق على البيئة والمكان العام. فمن المفارقات أن يكون الإنسان شديد الحساسية تجاه طهارة ثوبه للصلاة، ثم لا يجد مشكلة في أن يرمي النفايات في الشارع. وقد يحرص على نظافة المسجد الذي يصلي فيه، لكنه لا يرى المحافظة على الحديقة أو الطريق أو المدرسة جزءاً من مسؤوليته الأخلاقية. وهنا تظهر تجزئة غريبة في فهم الدين: طهارة شخصية دقيقة، يقابلها أحياناً ضعف في الإحساس بجمال البيئة المشتركة.

فالشارع الذي نعيش فيه ليس خارج الدين، كما أن النظام ليس شأناً إدارياً منفصلاً عن الأخلاق. حين يوقف الإنسان سيارته بطريقة تؤذي الآخرين، أو يلقي مخلفاته في مكان عام، أو يشوه الجدار الذي لا يملكه، فإنه يكشف عن خلل في معنى المسؤولية، حتى لو كان شديد الالتزام في مساحته الخاصة.

ويمكن أن نذهب أبعد من ذلك فنقول إن شكل المدينة نفسه يكشف شيئاً من ثقافة المجتمع. فالفوضى البصرية، والتلوث، والازدحام غير المنظم، وعدم احترام المساحات العامة ليست كلها مشكلات هندسية فحسب، بل تحمل وراءها تصوراً عن الإنسان وحقه في أن يعيش في بيئة منظمة وجميلة. فالمدينة ليست مجموعة أبنية تؤدي وظائفها، وإنما فضاء يشكل نفسية الإنسان وذوقه وعلاقته بالحياة.

ومن هنا لا يكون الجمال ترفاً يخص المجتمعات الغنية. فالفقير أيضاً من حقه أن يعيش في شارع نظيف، وأن يدخل مدرسة محترمة، وأن يعالج في مستشفى لا يجرح كرامته، وأن تكون الأماكن العامة التي يستخدمها جميلة ومنظمة. بل قد يكون حرمان الفقراء من الجمال نوعاً آخر من التهميش، حين يُتصور أن حاجتهم إلى الطعام والدواء تعني أن لا أهمية لنوعية البيئة التي يعيشون فيها.

والذوق يظهر كذلك في الشعائر الدينية. فصدق العاطفة لا يعفي الإنسان من التنظيم والنظافة واحترام الآخرين. وقد تكون الشعيرة مقدسة في ذاتها، لكن بعض طرق ممارستها تحتاج إلى مراجعة إذا أضرت بحقوق الناس أو شوهت المكان أو أعطت صورة لا تنسجم مع قيمتها. فاحترام الشعيرة لا يعني الدفاع عن كل ما يمارس باسمها، بل ربما كان من احترامها أن تقدم بصورة أجمل وأكثر انضباطاً.

وهنا نصل إلى سؤال أعمق: هل يكفي أن يكون المجتمع متديناً إذا كانت لغته خشنة، وشوارعه فوضوية، ومؤسساته غير منظمة، وعلاقاته قائمة على الإهانة، وذوقه العام ضعيفاً؟

الجواب يتوقف على ما نعنيه بالتدين. فإذا كان المقصود مجرد أداء عدد من الشعائر، فقد تجتمع هذه الأشياء. أما إذا كان التدين مشروعاً لصناعة الإنسان، فلا يمكن أن يكون أثره محصوراً في المسجد والحسينية والبيت، بينما تبقى بقية مساحات الحياة بمنأى عنه.

فالصلاة التي تعلم الإنسان الوقوف بين يدي الله ينبغي أن تترك شيئاً من السكينة في سلوكه، والصيام الذي يدربه على السيطرة على رغباته ينبغي أن يعلمه السيطرة على غضبه، والحج الذي يربيه على النظام والمساواة ينبغي أن يترك أثراً في علاقته بالناس. وإلا أصبحت العبادة واقعة في جانب من الشخصية لا يمتد أثرها إلى بقية الجوانب.

وقد وصف القرآن عباد الرحمن بقوله: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. ولاحظ أن الوصف هنا ليس متعلقاً بصلاة أو صيام، بل بطريقة المشي وطريقة الرد على الجاهل. أي إن الإيمان يظهر حتى في تفاصيل الحركة والكلام.

وحين أوصى لقمان ابنه لم يكتف بالعقائد والعبادات، بل قال له: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾، ثم قال: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾. حتى نبرة الصوت وطريقة المشي دخلتا في المشروع التربوي؛ لأن الدين لا يصنع أفكار الإنسان فقط، بل يصنع حضوره في الحياة.

وهذا ما نحتاج إلى استعادته في خطابنا الديني: الانتقال من تدين يكتفي بسؤال الإنسان عما فعل، إلى تدين يسأله أيضاً كيف فعله؛ ومن الاهتمام بصحة العبادة فقط إلى الاهتمام بالأثر الذي تصنعه العبادة في الشخصية؛ ومن فقه الحد الأدنى الذي يسأل عما يبرئ الذمة إلى ثقافة الإحسان التي تسأل عما يجعل الحياة أرقى وأجمل.

وليس المقصود أن نستبدل الفقه بالذوق، فالذوق لا يحدد الحلال والحرام، ولا أن نجعل الجمال معياراً أعلى من الحقيقة. المقصود أن الحقيقة نفسها ينبغي أن تجد الشكل الجميل الذي يليق بها، وأن الالتزام بالحكم الشرعي ليس نهاية البناء الأخلاقي دائماً، بل قد يكون بدايته.

فليس كل ما يجوز فعله جديراً بأن نفعله، وليس كل ما يجوز قوله من الحكمة أن نقوله بالطريقة نفسها، وليس كل من يملك الحق في الرد مضطراً إلى استخدام أقسى الكلمات.

إن المجتمع المتدين حقاً لا يظهر تدينه فقط في عدد مساجده ومجالسه وشعائره، بل في نظافة شوارعه، واحترام مواعيده، وجمال لغته، وحسن معاملته للضعفاء، ونظام مؤسساته، وقدرته على الاختلاف من دون ابتذال.

فالجمال في الرؤية الإسلامية ليس زينة توضع بعد اكتمال الدين، بل أحد الوجوه التي يظهر بها كماله. وحين يفقد التدين حس الجمال، قد تبقى الأحكام صحيحة، لكن الصورة التي نقدم بها الدين تصبح ناقصة.

ولعلنا نحتاج إلى أن نضيف إلى أسئلتنا المعتادة سؤالاً بسيطاً: ليس فقط هل ما أفعله صحيحاً؟ بل هل أفعله بالطريقة الأجمل التي تليق بما أؤمن به؟

فالدين الذي جاء ليجمّل باطن الإنسان لا يمكن أن يكون غريباً عن تجميل لسانه وسلوكه وعلاقاته والمكان الذي يعيش فيه.

مشاركة: