الشيخ مصطفى الهجري
كثيراً ما يُطرح سؤال الإيمان في الساحات الفلسفية وكأنه خيار براغماتي نفعي بحت، ولعل أشهر من قنّن هذه المقاربة هو الفيلسوف وعالم الرياضيات الفرنسي بليز باسكال فيما عُرف تاريخياً بـ "رهان باسكال". تتلخص فكرته في أن العقل يحتم على الإنسان أن يراهن على وجود الله؛ لأنه إن كان الله موجوداً فاز المؤمن بالنعيم الأبدي، وإن لم يكن موجوداً فلن يخسر شيئاً. لكن، هل ينسجم هذا الطرح الاحتمالي مع الرؤية القرآنية للإيمان؟ وهل العلاقة مع الخالق مجرد صفقة أو ضربة حظ؟
نقد الرؤية البراغماتية: الإيمان يقين وليس مقامرة
من المنظور الإسلامي، لا يمكن للإيمان المنجي أن يُبنى على منطق الخطط الوقائية أو الاحتمالات الرياضية. فالإنسان الذي يتخذ الدين كبوليصة تأمين، لا يطلب الحقيقة لذاتها، بل يتلاعب بعقله طمعاً في النجاة فقط. وهذا ما ينتقده الفكر الإسلامي بوضوح، فلم يكن (باسكال) بهذا القول حكيمًا؛ إذ جعل المسألة رهينة الحظ! والإنسانُ بذلك يتلاعَبُ بعقله شراءً للوَهْم، ليكون الرِّهان رهانًا براغماتيًّا لا يبتغي الحقيقة، وإنّما يطلب الأربح.. سأقول له: النَّجاة يوم القيامة لا ينالها الذين يقامرون بالإيمان، وإنّما هي جائزة لِّلَّذين يُحقّقون الإيمان بيقين.. ثُمّ إنّ الإيمان بالله لا يكفي وحده للنّجاة، فلا بدّ أن يقارنه الإيمان بنبوة محمّد صلى الله عليه واله.
الحقيقة العقلية الصارمة: العاقل لا يخاطر بمصير أبدي
رغم رفض الإسلام لكون الإيمان مجرد مقامرة نفعية، إلا أن جوهر المقاربة الباسكالية يحمل حجة عقلية دامغة ضد الاستهتار الإلحادي واللااكتراثية؛ فهي تكشف بوضوح أن العاقل لا يسرف على نفسه بالخديعة حين تكون الرهانات أبدية. فالمسألة خيار بين أَمْرَيْن، مَآلُ أحدهما عظيمٌ، ومَآل الآخر حقيرٌ.. مَآلُ الإيمان بالله - إن كان الإله موجودًا - أن ينجوَ المؤمنُ يومَ الحساب من عذاب لا يَفْتُر، وأن يَتَنَعَّمَ يوم القيامة بنعيمٍ لا يَنْضُبُ، وأن يعيش في الحياة هادئ الصَّدْر.
سكينة المؤمن وتهافت الإلحاد الدنيوي
حتى لو جارينا المنطق المادي الصرف في أسوأ افتراضاته، فإن المؤمن في دنياه هو الرابح الأكبر. لقد أقر كبار أقطاب الفلسفة وعلماء الاجتماع والنفس بأن التدين يمنح الإنسان توازناً ومعنى لا نظير لهما، فلن يَخْسَرَ المرءُ شيئًا بشهادةِ كثيرٍ من فلاسفة الإلحاد؛ «لأنّ التَّدَيُّنَ في التَّفسير الكُونتي وَهْمٌ يُؤَالِفُ به الإنسان بين أشتات الطبيعة، ويُفَسِّرُ به أحوالها.. وفي التفسير الدوركايمي مِلاطٌ يَشُدُّه إلى بقية المجتمع لِيُحقق وَحْدته، وفي التَّفسير الفرويدي وَهْمٌ يُسَكِّن به قَلَقَ النَّفْس؛ فهو وَهْمٌ نافعٌ على كُلِّ حالٍ عند مُنْكِري صِدْقِهِ، والمرءُ بذلك يضمن أمْنًا نَفْسِيًّا.
بهذا المعنى، يمنح الإيمان للإنسان قاعدة للأمل، ويصنع من فوضى الحياة نظاماً متناسقاً، بل ويمنعه من الانتحار في وجود بلا قيمة». (المصدر: الفيلسوف جيمس ساير James W. Sire، كتاب: Why Should Anyone Believe Anything at All?، ص 55).
مقامرة الكافر: خسران بلا نهاية
في المقابل، يضع الإلحاد صاحبه في أضيق زاوية ممكنة؛ فإن صحّت الحقيقة الإلهية —وهي ساطعة بالأدلة— فإن الملحد يكون قد وضع نفسه في مهلكة لا رجعة فيها، وأمَّا إن كان الإله موجودًا، وكَفَرَ به الملحِدُ، فَمَآلُهُ وَبِيلٌ، وخاتمته عَذَابٌ وحَسْرةٌ وزَفِيرٌ؛ بلا خاتمة.. هو قرارٌ لقرارٍ في عذابٍ بلا شفاعة.
خلاصة: تصديق عن رضا، لا ضربة حظ
الرؤية القرآنية ترفض الرهانات العمياء؛ لأن غاية الدين هي بناء إنسان يعبد الله عن بصيرة، لا عن خوف براغماتي مجرد، فليس الإيمان بالله ضَرْبَة حظّ، ولا التَّعَلُّقُ به مَكْرًا نفعيًّا رخيصًا، وإنّما هو تصديق عن رضًا وقناعة.. ولكنّ الكفر دون استفراغ الجهد والجدّ والاجتهاد في مراجعة أدلّة المؤمنين، تَهَوُّرٌ سادر.
إن الإيمان في الإسلام ارتقاء بالروح والعقل معاً. ومقاربة باسكال، وإن قصرت عن إدراك سمو اليقين الإسلامي، فإنها تقف كجرس إنذار يصم آذان الملاحدة: إن خسارة الإيمان ليست خسارة لجولة فكرية، بل هي خسارة للأبدية ذاتها.