رجوع
ختم النبوة: انقطاع الوحي واستمرار الهداية بالإمامة والاجتهاد

ختم النبوة: انقطاع الوحي واستمرار الهداية بالإمامة والاجتهاد

الشيخ مصطفى الهجري

يثير مفهوم "ختم النبوة" في الفكر الإسلامي تساؤلات جوهرية حول طبيعة العلاقة بين السماء والأرض بعد انقطاع الوحي. ويتركز النقاش غالباً حول محورين: الأول هو الخشية من أن يكون ختم النبوة إعلاناً بانقطاع الفيض الروحي والمعنوي عن البشرية وعقم الطبيعة عن إنجاب شخصيات متصلة بالغيب. والثاني يتعلق بالحكمة من توقف "النبوة التبليغية"؛ فإذا كانت "النبوة التشريعية" قد ختمت بكمال الدين الإسلامي، فلماذا لم يبعث الله أنبياء للتبليغ والتذكير، كما كان دأب الأمم السابقة؟ للإجابة عن هذه التساؤلات، لا بد من تجاوز النظرة السطحية واستنطاق محكمات القرآن الكريم، والأحاديث الشريفة، وما حققه كبار علماء الإمامية من أبعاد معرفية وعقائدية.

أولاً: استمرار الفيض الروحي وانفتاح باب "الولاية"

إن الاعتقاد بأن ختم النبوة يعني انقطاع الصلة الروحية بالغيب هو اعتقاد ينشأ عن الخلط بين "النبوة" (كمنصب إلهي يتضمن تلقي شريعة وتبليغها) وبين "الولاية" (كحالة من القرب والاتصال الروحي بالله). لقد انقطع باب الوحي التشريعي، لكن باب الإلهام والإشراق، الذي يُصطلح عليه في علم الكلام الشيعي بـ "الولاية"، باقٍ ومستمر إلى يوم القيامة.

القرآن الكريم يؤسس لاستمرارية هذا الفيض الإلهي لكل قلب طاهر، بغض النظر عن النبوة، فيقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: 69). وفي سياق توضيح هذه الحقيقة، يؤكد العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي في (تفسير الميزان، ج5، ص 273) أن: "الولاية التي هي باطن النبوة لا تنقطع أبداً، فإن النبوة إنما هي لبيان الطريق، والولاية هي الهداية الإيصالية إلى المطلوب، ولذا كانت الولاية باقية في الأمة بعد انقطاع النبوة".

وقد ذكر القرآن الكريم عدة نماذج لشخصيات متصلة بالملكوت رغم أنهم ليسوا أنبياء، كمريم وأم موسى عليهما السلام.

وتزخر مصادر الحديث الشيعية بمفهوم "المُحَدَّث"، وهو الإنسان الذي تصله الإشراقات الغيبية وتكلمه الملائكة دون أن يكون نبياً. يروي الشيخ الكليني في (أصول الكافي، ج1، ص 271) عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في بيان الفرق بين النبي والمحدث، قوله: "والمُحَدَّثُ الذي يَسْمَعُ الصَّوتَ ولا يَرَى الشَّخْصَ". وهذا يثبت عقائدياً أن إغلاق ملف الوحي التشريعي لم يغلق أبواب السماء، بل إن السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) والأئمة الأطهار من بعدها هم التجلي الأكمل لهذا الاتصال الغيبي بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ثانياً: فلسفة انتهاء "النبوة التبليغية" ونضج الأمة

أما التساؤل الثاني حول سبب عدم إرسال أنبياء تبليغيين بعد الإسلام، فيكمن جوابه في فلسفة التطور الفكري للبشرية وطبيعة المعجزة الخالدة. في الأمم السابقة، كانت النبوة التبليغية ضرورة حتمية لسببين رئيسيين: تعرض الكتب السماوية السابقة للتحريف والضياع، وعدم وصول العقل البشري إلى مرحلة النضج التي تؤهله لحفظ شريعته واستنباط أحكامها.

بمجيء الإسلام، زال هذان السببان تماماً. فقد تكفل الله سبحانه بحفظ المعجزة والرسالة نصاً، قائلاً: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9). ولأن النص محفوظ من التلاعب، والدين قد بلغ ذروة كماله بنص الآية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة: 3)، فقد انتفت الحاجة الموضوعية لإرسال نبي جديد ليصحح انحرافاً في النص أو يكمل نقصاً في التشريع.

ويفصل آية الله الشيخ عبد الله جوادي آملي هذه المسألة في كتابه (وحي ونبوة، ص 310)، موضحاً أن: "سر ختم النبوة التبليغية يكمن في كمال الشريعة وحفظ كتابها، وفي بلوغ العقل البشري -في ظل توجيهات القرآن- مرحلة الاجتهاد. ففي العهود السابقة لم تكن الأمة قادرة على الحفاظ على تراثها، فكان لا بد من نبي تبليغي يجدد ما اندرس. أما الأمة الإسلامية فقد رُزقت القرآن المحفوظ، ورُزقت نعمة الإمامة التي تبين تفاصيل الشريعة، ثم انتقلت إلى عصر الاجتهاد حيث يستنبط العلماء الأحكام لجميع الحوادث المستجدة".

ثالثاً: الإمامة والاجتهاد كبديل موضوعي للنبوة التبليغية

لم يترك الإسلام فراغاً بعد انقطاع النبوة التبليغية، بل نقل هذه الوظيفة إلى مؤسستين عظيمتين: الإمامة، ثم مرجعية العلماء (الاجتهاد). فالإمام المعصوم في الفكر الشيعي يقوم بوظائف النبي كافة (من حفظ الدين وبيانه وهداية الناس) باستثناء تلقي شريعة جديدة. يقول الشيخ المفيد في كتابه (أوائل المقالات، ص 71): "إن الأئمة القائمين مقام الأنبياء في تنفيذ الأحكام، وإقامة الحدود، وحفظ الشرائع، وتأديب الأنام، معصومون كعصمة الأنبياء، ولا يجوز عليهم تقية في إفتاء، ولا غلط في إخبار عن الله تعالى".

ومع غيبة الإمام المعصوم (عجل الله فرجه)، انتقلت مسؤولية التبليغ وحفظ الدين والرد على الشبهات إلى العلماء المجتهدين، استناداً إلى الحديث الشريف المروي في (أصول الكافي، ج1، ص 32) عن الإمام الصادق (عليه السلام): "إنَّ العُلَماءَ وَرَثَةُ الأنبياءِ، إنَّ الأنبياءَ لَم يُوَرِّثُوا دِيناراً ولا دِرْهَماً ولٰكِن وُرِّثُوا العِلْمَ، فَمَن أَخَذَ مِنهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وافِرٍ". لقد حلّ الاجتهاد الدائم القائم على قواعد علمية رصينة محل الوحي التبليغي، فأصبح الفقهاء هم من يطابقون الكليات القرآنية الثابتة مع المتغيرات الزمانية والمكانية.

ختاماً، إن ختم النبوة ليس انسحاباً للسماء من توجيه الأرض، بل هو إعلان عن بلوغ العقل البشري مرحلة الرشد، حيث حُفظ الدستور (القرآن)، وبقيت الحجة الإلهية (الإمام)، واستمر الفيض الروحي (الولاية والإلهام). وانتقلت مهمة النبوة التبليغية إلى العقل الفقهي والمعرفي الذي يستنبط الحلول، مما يجعل الدين الإسلامي ديناميكياً وقادراً على تلبية احتياجات البشرية ومرافقتها في رحلتها نحو التكامل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

مشاركة: