الشيخ معتصم السيد أحمد
ليس أخطر ما يمكن أن يقع فيه الإنسان أن ينكر وجود الله بلسانه، بل أن يؤمن به نظرياً ثم يعيش عملياً وكأن ذاته هي المرجع الأخير الذي يحدد له الحق والباطل، والخير والشر، وما ينبغي قبوله وما ينبغي رفضه. فقد يبقى اسم الله حاضراً في حياة الإنسان، وتبقى الصلاة والدعاء والشعائر، لكن المحور الحقيقي الذي تدور حوله قراراته ومواقفه قد يكون شيئاً آخر: مصلحته، أو مكانته، أو رغباته، أو رضا الناس عنه.
ولهذا جاء القرآن بتعبير بالغ الدقة حين قال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾. فالآية لا تتحدث عن إنسان صنع تمثالاً ثم سجد له، وإنما عن صورة أخطر من الوثنية الظاهرة: أن يتحول الهوى إلى سلطة داخلية تحدد للإنسان اتجاهه، فيصبح ما يريده هو المعيار، ثم يأتي العقل بعد ذلك ليبحث عن الأدلة التي تبرر له ما أراد.
فالهوى لا يقول للإنسان عادة: اعبدني. وإنما يقول له: افعل ما يناسبك، ثم ابحث له عن اسم جميل. فإذا وافق الحكم مصلحته قال: هذا هو الحق. وإذا خالفها بحث عن تأويل آخر. وإذا مدحه الناس أحبهم، وإذا انتقدوه رأى في نقدهم ظلماً أو جهلاً. وهكذا يصبح الإنسان شيئاً فشيئاً هو المركز الذي تدور حوله الحقيقة، بدلاً من أن تكون الحقيقة هي المركز الذي يدور حوله الإنسان.
ومن هنا نفهم معنى محورية الله في الرؤية الإسلامية. فهي لا تعني الإكثار من ذكر اسم الله في الكلام فقط، وإنما أن يكون الله هو المرجع الذي تعود إليه الإرادة حين تتعارض الرغبات، وأن يكون رضاه أعلى من رضا النفس والناس، وأن يكون الحق الذي أمر به مقدماً على المصلحة حين يفترق الطريقان.
ولهذا فإن المحور الحقيقي للإنسان لا يظهر دائماً في أوقات الانسجام، وإنما يظهر عند التعارض. ما دام ما يريده الإنسان موافقاً لما يريده الله، فقد يصعب معرفة أيهما هو المحور. لكن حين تتعارض المصلحة مع الواجب، أو الشهرة مع الإخلاص، أو الانتماء مع العدل، أو رضا الناس مع رضا الله، ينكشف الاتجاه الحقيقي للقلب.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. فالقرآن لا يلغي النفس ولا يطلب تدمير الرغبات، وإنما يرفض أن تتحول الرغبة إلى حاكم لا يُراجع. فالمشكلة ليست أن يريد الإنسان، بل أن تصبح إرادته الشخصية أعلى من الحق.
ومن هنا أيضاً تظهر المفارقة بين الرؤية الإسلامية وبعض النزعات التي تضخم الأنا الإنسانية حتى يصبح الإنسان في وعيه المصدر النهائي للقيمة. فكلما جعل ذاته مركزاً للوجود ظن أنه يتحرر، بينما قد يكون في الحقيقة يدخل في عبودية أكثر خفاءً؛ لأنه يصبح مطالباً دائماً بحماية صورته، وإشباع رغباته، وإثبات ذاته، والانتصار لرأيه.
أما حين يكون الله هو المحور، فإن الإنسان لا يفقد قيمته، بل يكتشفها في موضعها الصحيح. فهو ليس إلهاً صغيراً يصنع الحقيقة بحسب هواه، وليس كائناً بلا قيمة يذوب في الآخرين، وإنما عبد لله منحه الله العقل والإرادة والكرامة وجعله مسؤولاً عن الارتقاء بنفسه.
والفرق بين الطريقين يظهر بوضوح في طلب الكمال. فالإنسان الذي يجعل نفسه محوراً قد يصل إلى مقدار من العلم أو النجاح أو العبادة ثم يتضخم إحساسه بذاته، وكأنه بلغ الغاية. أما الإنسان الذي يكون الله محوره، فكلما ارتقى انكشف له أفق أوسع؛ لأن الكمال الذي يتجه إليه لا نهاية له.
ولهذا يزداد العالم الرباني تواضعاً كلما ازداد علماً؛ لأنه كلما عرف شيئاً اكتشف مقدار ما يجهله. أما الذي جعل العلم وسيلة لتعظيم ذاته فقد يتعلم مسائل محدودة ثم يتوهم أنه أصبح ميزاناً للناس، فلا يسمع نصيحة ولا يقبل نقداً ولا يستطيع أن يقول: لا أعلم.
وكذلك العابد؛ فقد يكثر الإنسان من الصلاة والصوم والذكر، لكن العبادة نفسها لا تضمن أن الله أصبح محوره. فقد يستخدم العبادة في بناء صورة لنفسه أمام الناس، أو يشعر بسببها بالتفوق عليهم، أو يرى نفسه أحق بالاحترام لأن عبادته أكثر.
وهنا تتحول العبادة التي يفترض أن تصغر الأنا أمام الله إلى وسيلة لتضخيمها.
ولهذا كان من أعمق ما ورد في دعاء مكارم الأخلاق للإمام زين العابدين عليه السلام قوله: «ولا ترفعني في الناس درجة إلا حططتني عند نفسي مثلها، ولا تحدث لي عزاً ظاهراً إلا أحدثت لي ذلة باطنة عند نفسي بقدرها». فالخطر ليس في أن يحترم الناس الإنسان، بل في أن ينتقل هذا الاحترام من الخارج إلى الداخل فيتحول إلى شعور بالاستعلاء، ويبدأ الإنسان في تصديق الصورة التي صنعها الناس عنه.
وهذه المسألة تصبح أشد حساسية عند العالم والداعية وصاحب المنبر؛ لأن الإنسان قد يتحدث عن الله بينما تكون ذاته هي المحور الخفي لكلامه. قد يدعو إلى الدين، لكنه يريد أن يرتبط الناس بشخصه. وقد يخدم المذهب، لكنه يغضب إذا تحقق النجاح على يد غيره. وقد يدافع عن الحق، لكنه لا يستطيع الاعتراف بخطئه؛ لأن الاعتراف أصبح في نظره تهديداً لمكانته.
وهنا ينبغي أن يسأل الداعية نفسه بصدق: هل يفرح بانتشار الحق ولو لم يُذكر اسمه؟ هل يستطيع أن يقول لمن خالفه: كنتَ مصيباً وكنتُ مخطئاً؟ هل يتألم لانتهاك حدود الله أكثر مما يتألم لجرح كرامته الشخصية؟ هل يريد أن يقود الناس إلى الله، أم يريد أن تبقى حاجتهم إليه مستمرة؟
هذه الأسئلة تكشف المحور أكثر من الخطب والشعارات.
وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: «من نصب نفسه للناس إماماً فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم». فالمعركة الأولى للعالم ليست دائماً مع أفكار الآخرين، بل مع نفسه التي يمكن أن تستعمل العلم والدين والموقع لتأكيد حضورها.
ولهذا قال عليه السلام عن نفسه: «إنما هي نفسي أروضها بالتقوى»، فالنفس لا تُترك لتقود الإنسان، وإنما تُربى حتى تتجه إرادتها في اتجاه الحق.
ومحورية الله لا تظهر في حياة العلماء وحدهم، بل في تفاصيل حياة كل إنسان. تظهر حين يستطيع أن يربح مالاً محرماً ثم يتركه، وحين يملك فرصة للانتقام ثم يعدل، وحين يستطيع الكذب لينقذ صورته ثم يصدق، وحين يكتشف أن جماعته أخطأت فلا يجعل ولاءه لها أعلى من ولائه للحق.
ولهذا فإن العبودية لله ليست نفياً للحرية كما قد يتصور البعض، بل هي تحرير لها. فالإنسان سيخضع في النهاية لشيء ما: إذا لم يخضع للحق خضع للهوى، وإذا لم يتحرر من رأي الناس عاش أسيراً لتصفيقهم، وإذا لم يملك المال أصبح المال مالكاً له، وإذا لم يضبط شهوته أصبحت الشهوة هي التي تحدد قراراته.
ومن هنا كانت العبودية لله إعلاناً عن رفض كل عبودية أخرى. فالإنسان الذي يعرف أن قيمته من الله لا يحتاج إلى أن يعيش متسولاً لاعتراف الناس به. قد يمدحونه فلا يطير بمدحهم، وقد يذمونه فلا ينهار بذمهم؛ لأنه لا يستمد قيمته النهائية من عيونهم.
وقد يكون مجهولاً في المجتمع، لكنه لا يشعر بأنه بلا قيمة. وقد يفقد منصباً فلا يفقد نفسه. وقد يخسر مالاً فلا يشعر أن حياته انتهت. فكل قيمة ربطها الإنسان بما يتغير ستتغير معه، أما حين ترتبط القيمة بالله فإنها تحصل على قدر من الثبات لا يستطيع الناس منحه ولا سلبه.
لكن القول بمحورية الله لا يعني تهميش الإنسان أو احتقار حاجاته. وهذه نقطة ينبغي التأكيد عليها؛ لأن بعض الخطابات قد تصور الاهتمام بالإنسان وكأنه منافس للاهتمام بالله. بينما الرؤية الإسلامية لا تضع الله والإنسان في طرفين متقابلين؛ لأن الله نفسه هو الذي أمر بإكرام الإنسان، وإطعام الجائع، ونصرة المظلوم، ورعاية الضعيف، والعدل بين الناس.
فالذي يصلي لله ثم يظلم عباده لم يجعل الله محور حياته. والذي يدافع عن العقيدة ثم يكذب ويغدر لم يفهم معنى الدفاع عن الله؛ لأن الله الذي يدعي الدفاع عنه هو الذي حرم عليه الكذب والغدر. والذي يذكر الله كثيراً ثم يحتقر الفقير لم يدرك أن كرامة الإنسان جزء من التكليف الذي جاءه من الله.
ومن هنا يمكن اختصار الرؤية الإسلامية في معادلة دقيقة: الكون مسخر للإنسان، والإنسان لله، وخدمة الإنسان حين تكون في طريق الحق هي عبادة لله.
ومحورية الله بهذا المعنى لا تصغر الإنسان، بل تمنعه من أن يضيع بين آلهة صغيرة يصنعها بنفسه: المال، والشهرة، والقبيلة، والحزب، والمنصب، والرغبة، والأنا. فهي تضع كل شيء في مكانه، وتمنح الإنسان معياراً يستطيع به أن يراجع نفسه باستمرار.
ولهذا فإن أخطر سؤال ينبغي أن يطرحه الإنسان ليس: هل أؤمن بالله؟ فقط، بل: ما الذي يدور حوله قلبي فعلاً؟ ما الشيء الذي إذا تعارض مع رضا الله قدمته عليه؟ وما الذي أخاف فقدانه إلى درجة تجعلني أتنازل عن الحق؟ وأمام أي شيء أعجز عن قول «لا»؟
فقد يكون الله حاضراً في اللسان، بينما الهوى هو الذي يدير القرار.
وقد تكون الشعارات كلها دينية، بينما الذات هي المستفيد الأكبر منها.
والعبودية الحقيقية تبدأ حين يتراجع حضور الأنا أمام حضور الحق، وحين يصبح الإنسان مستعداً لأن يخسر رأياً أو مصلحة أو مكانة، ولا يخسر اتجاهه إلى الله.
فليس أخطر الأصنام ما يقام من حجر، بل ما يمكن أن يقام داخل النفس من هوى متضخم يطلب من الإنسان أن يجعل نفسه مركز الحقيقة.
ولهذا كانت أعظم حرية يحققها الإنسان هي أن يخرج من عبادة ذاته إلى عبادة الله؛ لأن من تحرر من نفسه، أصبح أقدر على أن يكون عادلاً مع الناس، صادقاً مع الحقيقة، ومفتوحاً دائماً على طريق لا ينتهي من الكمال.
وفي المحصلة، فإن محورية الله ليست فكرة نظرية تضاف إلى منظومة العقيدة، بل هي الميزان الذي يعيد ترتيب حياة الإنسان كلها. فحين يكون الله هو المحور، لا يعود الهوى مرجعاً، ولا تصبح المصلحة معياراً، ولا يكون رضا الناس بديلاً عن الحق، ولا تتحول المعرفة أو العبادة أو المكانة إلى أدوات لتعظيم الذات. وحينها فقط يفهم الإنسان معنى العبودية بوصفها تحريراً من كل ما يستعبده من الداخل والخارج؛ من الشهوة، والخوف، والغرور، والانتماء، والحاجة إلى التصفيق. وكلما ازداد حضور الله في وعي الإنسان، تراجع تضخم الأنا، واتسعت قدرته على الإنصاف والمراجعة والتواضع وخدمة الناس. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً أمام المؤمن ليس: كم أتكلم عن الله؟ بل: كم يحكم الله فعلاً اختياراتي حين تتعارض إرادتي مع إرادته؟ ففي لحظة التعارض ينكشف المعبود الحقيقي، وهناك يتبين إن كان الإنسان قد جعل الله محور حياته، أم اتخذ إلهه هواه.