الشيخ مصطفى الهجري
في عام 1935 أصدر الطبيب الفرنسي ألكسيس كاريل، الحائز جائزة نوبل في الطب، كتابًا سمّاه «الإنسان ذلك المجهول». ولم يكن العنوان مبالغة؛ فالإنسان الذي فكّ أسرار الذرة وغزا الفضاء ما زال يتعثّر أمام أبسط سؤال عن نفسه: من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟
ويقدّم القرآن جوابًا مكثّفًا يجمع طرفين يبدوان متناقضين: الإنسان خليفة الله في الأرض، وهو في الوقت نفسه عبدٌ له: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].
فكيف يكون الإنسان سيّدًا تُسخّر له الأشياء، وعبدًا خاضعًا في آنٍ واحد؟ وماذا حدث حين حاول الإنسان الحديث أن يحتفظ بالسيادة ويتخلّى عن العبودية؟ هذا ما تحاول هذه المقالة الإجابة عنه.
الرؤية القرآنية: خليفةٌ مكرَّم وعبدٌ حرّ
يبدأ القرآن قصة الإنسان بمشهد مهيب في الملأ الأعلى: إعلانٌ إلهي بأن هذا الكائن الطيني سيكون خليفة. ثم يرفعه فوق الطين بنفخةٍ من روح الله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: 29]، ويقرّر له كرامةً ذاتية لا يكتسبها من لونٍ أو مال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء: 70]، ويسخّر له الكون كله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ [الجاثية: 13]. بل يحمّله الأمانة التي أشفقت منها السماوات والأرض والجبال [الأحزاب: 72].
لكن الخلافة في المنطق القرآني ليست سيادةً مطلقة، بل نيابة. ويعرّفها العلامة الطباطبائي بأنها «قيام شيء مقام آخر، لا تتم إلا بكون الخليفة حاكيًا للمستخلف» (الميزان في تفسير القرآن»، بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ج1، ص115)؛ فقيمة الخليفة في أن يعكس صفات من استخلفه: علمًا ورحمةً وعدلًا. فإذا انقطع عن مصدره لم يعد خليفة، بل صار مغتصِبًا لموقعٍ ليس له.
وهنا تظهر العبودية لا بوصفها قيدًا، بل بوصفها تحريرًا. فالعبودية لله وحده تعني إسقاط كل عبوديةٍ أخرى: للمال والسلطان والهوى والجماعة. وهذا ما يلخّصه أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته لابنه الحسن (عليه السلام): «ولا تكن عبدَ غيرك وقد جعلك الله حرًّا»(نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح، الكتاب 31، ص401).
وحين سأل عبدُ الله بن سنان الإمامَ الصادق (عليه السلام): أيهما أفضل، الملائكة أم بنو آدم؟ نقل له قول جده أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّ الله عزّ وجلّ ركّب في الملائكة عقلًا بلا شهوة، وركّب في البهائم شهوةً بلا عقل، وركّب في بني آدم كلتيهما، فمن غلب عقلُه شهوتَه فهو خيرٌ من الملائكة، ومن غلبت شهوتُه عقلَه فهو شرٌّ من البهائم»( علل الشرائع»، ج1). فالإنسان ليس ملاكًا مكتملًا، ولا حيوانًا تحكمه غريزته، بل هو مشروعٌ مفتوح بين القمة والهاوية.
رحلة النزعة الإنسانية الغربية: من تأليه الإنسان إلى «موته»
حين نقل أفلاطون عن السفسطائي اليوناني بروتاغوراس قوله: «الإنسان مقياس الأشياء جميعًا»، لم يكن يعلم أنه يدوّن شعارًا ستتبنّاه أوروبا بعد قرون. ففي عصر النهضة كتب الإيطالي بيكو ديلا ميراندولا خطبته الشهيرة «في كرامة الإنسان» (1486)، وتخيّل فيها الله يخاطب آدم بأنه لم يمنحه مقامًا ثابتًا ولا صورةً محددة، ليكون هو صانعَ نفسه ومشكّلَها كما يشاء. كانت تلك لحظة الاحتفاء بحرية الإنسان، وكان الله ما يزال حاضرًا في المشهد.
غير أن المسار انحرف رويدًا رويدًا: من إنسانٍ يصنع نفسه بإذن الله، إلى إنسانٍ يصنع نفسه بلا الله. وفي عام 1882 أعلن فريدريك نيتشه على لسان «الرجل المجنون» في كتابه «العلم المرح»: «لقد مات الإله... ونحن الذين قتلناه!»، ثم تساءل: ألا يتوجّب علينا أن نصير نحن آلهةً لنكون جديرين بهذا الفعل؟.
لكن الإنسان الذي جلس على العرش لم يلبث أن تهاوى. ففي منتصف القرن العشرين لاحظ عالم النفس الألماني إريك فروم أن مشكلة القرن التاسع عشر كانت أن الإله قد مات، أما مشكلة القرن العشرين فهي أن «الإنسان قد مات»، وحذّر من مستقبلٍ يتحوّل فيه البشر إلى ما يشبه الآلات المبرمجة.
واليوم يكتب المؤرخ يوفال نوح هراري في كتابه «الإنسان الإله» أن المشروع القادم للبشرية هو «ترقية» الإنسان إلى مرتبة الآلهة عبر الهندسة الحيوية والذكاء الاصطناعي، لكنه يعترف في الكتاب نفسه بأن التقنيات التي قد تجعل البشر آلهةً قد تجعلهم أيضًا كائناتٍ لا حاجة إليها. إنه تأليهٌ يحمل في داخله بذرة الإلغاء!
قراءة نقدية: لماذا ينتهي تأليه الإنسان بتشييئه؟
ما الذي يفسّر هذه المفارقة: أن تنتهي حضارةٌ بدأت بتمجيد الإنسان إلى الخوف من زواله؟ يقدّم القرآن الجواب في آيةٍ واحدة: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: 19]. فنسيان الله ليس خسارةً دينيةً فحسب، بل هو ضياعٌ للذات نفسها؛ لأن الإنسان لا يُفهَم إلا بنسبته إلى خالقه، فإذا قُطعت هذه النسبة فقد الإنسان معناه.
وقد التقط هذه الفكرةَ مفكرون معاصرون بعمق. فالمفكر المصري عبد الوهاب المسيري يرى في «الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان» أن النزعة الإنسانية حين أقصت الله وضعت الإنسان في مركز الكون، لكنها سرعان ما أحلّت «الطبيعة» محلّ الإله، فإذا بالإنسان يُردّ إلى قوانين المادة ويذوب فيها حتى لا يبقى منه ما يميّزه من الأشياء. الإنسان الذي أراد أن يكون إلهًا انتهى شيئًا بين الأشياء!
أما المفكر البوسني علي عزت بيغوفيتش فيصوغ المعادلة بحسمٍ في «الإسلام بين الشرق والغرب»: «إذا انتفى وجود الله انتفى بالتالي وجود الإنسان». فكرامة الإنسان لا تُبرهن داخل المختبر؛ إذ لا يرى العلم المادي في الإنسان إلا جسدًا متطورًا، والكرامة معنىً لا يُستمدّ إلا من مصدرٍ يتعالى على المادة.
ويكشف القرآن الآلية النفسية لهذا السقوط: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6-7]؛ فالشعور بالاستغناء عن الله أول الطغيان. والإنسان الذي يرفض أن يكون عبدًا لله لا يصير حرًّا كما يظنّ، بل يستبدل سيدًا بسيد: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23]. وقد يكون هذا السيد هوى النفس، أو السوق، أو الآلة، أو الخوارزمية التي تقرر عنه ماذا يرى وماذا يشتهي.
لا إلهًا ولا شيئًا
بين نموذجٍ يرفع الإنسان إلى مقام الإله ثم يهوي به إلى مقام الشيء، يقدّم القرآن طريقًا ثالثًا: الإنسان خليفةٌ لأنه عبد، وحرٌّ لأنه عبدٌ لله وحده. فالعبودية هي التي تمنح الخلافة معناها وحدودها، والخلافة هي التي تمنح العبودية فاعليتها في عمارة الأرض. فلا هي عبوديةٌ سلبية تلغي الإنسان، ولا سيادةٌ متمرّدة تلغي الله.
وهذا ما تختصره سورة التين: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: 4-6]. فالإنسان في القرآن ليس كائنًا محسوم المصير، بل مشروعٌ مفتوح: إما أن يصعد بعبوديته إلى «أحسن تقويم»، وإما أن ينحدر باستغنائه إلى «أسفل سافلين».
ولعل الجواب عن سؤال كاريل يبدأ من هنا: سيظلّ الإنسان «ذلك المجهول» ما دام قد نسي ربّه، فمن نسي الله أنساه الله نفسه.