رجوع
المشكلة الشريرة: لماذا يتألم الصالحون؟ (الإسلام في مواجهة المعضلة الأخلاقية العظمى)

المشكلة الشريرة: لماذا يتألم الصالحون؟ (الإسلام في مواجهة المعضلة الأخلاقية العظمى)

الشيخ مصطفى الهجري

تتسلل إلى النفس أحياناً أسئلة مؤلمة حين نرى الصالحين والأبرياء يكتوون بنار الابتلاءات والمرض والظلم، بينما يعيث الفاسدون فساداً ونعيماً. يقف العقل البشري حائراً أمام هذا المشهد المشحون بالتناقض الظاهري، ليهزّ أعمق أعماقنا تساؤلاً: إن كان الله عادلاً ورحيماً، فلماذا يتألم الصالحون؟ هذه هي "المشكلة الشريرة"، المعضلة الأخلاقية العظمى التي لطالما شكّلت التحدي الأكبر أمام الفلاسفة واللاهوتيين عبر التاريخ، والتي اتخذها الملحدون ذريعةً للطعن في الحكمة الإلهية أو نفي وجود الخالق أصلاً.

فحين نواجه هذا السؤال، تتخبط الفلسفات البشرية والأديان الأخرى في إيجاد إجابة متسقة مع العدل الإلهي والمنطق العقلي. فالفلسفات المادية البحتة تتعامل مع الألم بوصفه عبثاً بيولوجياً محضاً، ونتائج عمياء لصراع البقاء وقسوة الطبيعة؛ وبهذا تجرد الإنسان من أي مواساة حقيقية، وتحيل مآسيه إلى مجرد صدفة صماء خالية من أي هدف أو غاية.

أما على صعيد الديانات الشرقية، كالهندوسية والبوذية، فإنها تفسر الألم والشر عبر قانونهما الشهير "الكارما" والتناسخ؛ حيث يُفترض أن ما يمر به الإنسان من بلاء ليس سوى قصاص عادل لذنوب ارتكبها في حياة سابقة مجهولة. هذا التفسير لا يوقع الإنسان في حلقة مفرغة من العبث والقنوط فحسب، بل يلغي الرحمة الإلهية ويحيل الألم إلى جبروت آلي أعمى لا يرحم الضعيف، بل يدفع الإنسان للهروب السلبي من الألم ونفي الذات بدلاً من مواجهته بصلابة ورسوخ.

وهنا يبرز التميز المعرفي والروحي للرؤية الإسلامية؛ إذ لا يتهرب الإسلام من قسوة السؤال، ولا يختزل الألم في مجرد عقوبة أو عبث، بل يقدم الحكمة الجوهرية من وراء الألم؛ حيث يبين القرآن الكريم أن طريق تكامل الإنسان الروحي والنفسي يمر حتماً عبر بوابة الابتلاء. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام: 42]. فالغاية السامية من إمرار الإنسان بالبأساء والضراء هي إيقاظ روح التضرع والرجوع إلى الله، والرجوع هنا يعني أن يسير الإنسان وفق خطة التكامل الروحي التي رسمها الله له.

هذا المسار الخالد يوضحه جلّ وعلا بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: 6]؛ فطريق لقاء الله سبحانه وتعالى لا يتأتى إلا بالكدح، أي عبر المشقة والمكابدة والابتلاءات. هذا المعنى القرآني العميق يمنح الآلام قيمة استثنائية؛ إذ تحولها الرؤية الإسلامية من "عبء عبثي" إلى "مصدر للتكامل الروحي والترقي الإنساني"، لتغدو شحنة إيجابية للبناء النفسي لا طاقة سلبية للهدم.

ومما يكتمل به هذا الفهم المعمق للتخطيط الإلهي، أن قدر الإملاء والتضييق خاضعٌ لدقة التربية الربانية وحكمة الاصطفاء؛ فالابتلاء بالشدة ليس هواناً للمؤمن، كما أن الفسحة بالنعيم ليست كرامة للكافر. إن التخطيط الإلهي يقتضي أحياناً ابتلاء المؤمن بالفقر والمرض والشدائد ليصنعه على عينه، ويزكي روحه، ويوصله إلى كماله المستحق، بينما قد يقتضي الاستدراج والإملاء للكافر خذلانه بفتح أبواب الدنيا ومتاعها العابر عليه لتكون زينة ظاهرة وبالاً وتباباً عليه في الآخرة.

يجلي القرآن الكريم هذه الحقيقة بمشهد تصويري مذهل في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 33-35]. فالمال والرفاه الدنيوي ليسا معياراً للمحبة الإلهية، بل هما جزء من سنن التقدير المحكم لحال كل عبد؛ إذ يراعي الباري سبحانه مصلحة الروح وبناءها الأبدي. وقد جاء في الحديث القدسي المروي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) الشارح لهذا التقدير الدقيق: «إنّ من عبادي المؤمنين مَن لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لفسد ذلك عليه، وإنّ من عبادي المؤمنين مَن لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لفسد ذلك عليه» (الكافي، ج 2، ص 352).

فبدلاً من الهروب من الآلام كما يفعل أتباع البوذية والهندوسية، أو الغرق في مستنقع اليأس كما يفعل العدميون، يرى المسلم في الألم والشدة معبراً للارتقاء والتشبه بصفات الكمال والرضا بمكامن الحكمة الإلهية. ومن هنا بالتحديد تتجلى الصلابة النفسية والصلادة الروحية لدى الإنسان المسلم قبال الهشاشة النفسية التي يعيشها الآخرون عند أول محنة.

تتجلى هذه الصورة الشامخة للصلابة الإيمانية في وصف الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) للمؤمن الحقيقي حين قال: «الحُرُّ حُرٌّ على جميع أحواله؛ إن نابتْهُ نائبة صبر لها، وإن جارتْ عليه مصيبة لم تكسره» (الكافي، ج 2، ص 89).

فالمؤمن السائر في طريق الله يواجه المصائب والآلام برباطة جأش، وتسليم مطلق لأمر الله، وثقة عديمة النظير بعدله ورحمته، عالماً أن هذه الآلام تمحيص لقلبه، ورفعة لدرجاته، وثواب مضاعف في دار الجزاء الخالدة: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]. وبذلك يتحول الألم في الإسلام من "شبهة" إلى "شاهد" على عظمة الحكمة الإلهية في صناعة الإنسان الكامل.

مشاركة: