
2025-08-20 425

الاتجاهات الإسلامية "السياسية" وتباين التجربة السنية والشيعية
الشيخ معتصم السيد أحمد
حين نتأمل في طبيعة التفكير
السياسي داخل العالم الإسلامي، نلاحظ بوضوح وجود اختلاف جوهري بين
الحركات الإسلامية السنية والرؤية السياسية الشيعية. فالحركات
السنية غالباً ما تنطلق من التصورات التاريخية للإسلام، وبشكل خاص
من تجربة الخلافة، فتستند إلى تراثها وتستلهم منه نموذجها في الحكم.
في المقابل، تشكّلت الرؤية السياسية في الفكر الشيعي على مسار
موازٍ، لم يفصل بين العقيدة والسياسة، بل بنى مشروعه منذ البداية
على مفهوم "الإمامة"، باعتبارها امتداداً مباشراً للسلطة الإلهية،
وركيزة أساسية في تنظيم شؤون المجتمع والدولة.
ففي مقابل التيارات السنية التي
تشكّلت ضمن تصوّر سلفي للتاريخ، يقوم على إعادة إنتاج الماضي
واستنساخ نموذج الخلافة، نجد أن التشيّع يحتفظ بقراءة خاصة تتجاوز
التصور الزمني للإسلام، وترفض التعامل معه كتراث قابل للاستعادة
الميكانيكية. فمفهوم الإمامة في الفكر الشيعي هو أساس الوعي الديني
والسياسي، حيث يُنظر إلى الإمام باعتباره ضمانة إلهية لاستمرار
المسيرة، وامتداداً مباشراً لسلطة النبي صلى الله عليه وآله، لا
مجرد زعامة سياسية يمكن أن تُكتسب بالقهر أو الشورى.
وفقاً لهذا التصور، لا يحق لأي شخص
أن يتولى موقع القيادة السياسية أو يتصدر المشهد العام ما لم يكن
ممثلاً حقيقياً للرسالة الإسلامية. وهذا ما يجعل السلطة في الفكر
السياسي الشيعي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالدين، فلا تُفهم بمعزل عن
المرجعية الدينية. وتتحقق هذه السلطة إما من خلال النص المباشر الذي
يعيّن الإمام المعصوم، أو من خلال الولاية العامة للفقهاء في عصر
الغيبة، شريطة أن تتوفر فيهم مواصفات شرعية محددة مستنبطة من النصوص
الدينية نفسها.
وبناءً على هذا الفهم، يتشكل
المجتمع الإسلامي – في الرؤية الشيعية – كمجتمع هرمي، يقف على قمته
الإمام أو نائبه الفقيه الجامع للشرائط، وتُستمد شرعية النظام فيه
من الولاء لهذا الامتداد الرسالي، لا من الخضوع لأي سلطة سياسية
قائمة بحد ذاتها.
هذه المفارقة البنيوية بين النسقين
أدّت إلى تمايز عميق في بنية الولاء السياسي والاجتماعي. ففي
المجتمع السني التقليدي، كان الولاء يتجه في الغالب نحو النظام
السياسي القائم، باعتباره تجسيداً لواقع السلطة، حتى وإن لم يُستند
إلى شرعية دينية واضحة. بينما المجتمع الشيعي، وعلى امتداد قرون
طويلة، لم يُعر اهتماماً يُذكر لأي نظام سياسي لا يستند إلى
الإمامة، بل غالباً ما تعامل معه بوصفه سلطة أمر واقع لا تمثّل
الإسلام، واحتفظ بولائه الكامل لخط الإمامة أو لمن يمثلونه من
المراجع.
ومن هنا نشأ ما يمكن تسميته
بـ"الإسلام المُعارِض"، الذي بقي مغيّباً ومهمّشاً لفترات طويلة،
وهو الإسلام الذي تمثله النسخة الشيعية، في مقابل "إسلام السلطة"
الذي تجسد في التجربة السنية الغالبة. وإذا سُمِح لنا أن نؤسس لمسار
تاريخي لهذا الخط المقاوم والمفارق للنظام السياسي القائم، فإن
أهميته لا تكمن فقط في خلفيته الثورية، بل في قدرته على إنتاج خطاب
سياسي مغاير، يتجاوز النمط التقليدي لنموذج الحكم، ويطرح رؤية جديدة
للإسلام في علاقته بالدولة والمجتمع.
وقد مكّن هذا الاستقلال النظري عن
التجربة التاريخية الشيعة من تجاوز عقدة القطيعة مع الأنظمة
الحديثة. فبما أن الشرعية لا تُمنح إلا لمن يمثل الرسالة، فإنهم لم
يشعروا بالحاجة إلى تأصيل التجارب القديمة، أو تبرير فشلها، بل كان
بإمكانهم دوماً أن ينتجوا اجتهاداً سياسياً جديداً يتفاعل مع
المعطيات الموضوعية. ولهذا السبب ظل باب الاجتهاد مفتوحاً في الفكر
الشيعي، لا فقط في المسائل الفقهية، بل في مسائل الحكم والسلطة
أيضاً.
فالتجربة الشيعية لم تكتفِ برفض
الخلافة التاريخية باعتبارها انحرافاً عن المسار الرسالي، بل نظرت
إليها أيضاً كتجربة محكومة بظروفها لا تستحق التقديس، ومن هنا كان
من الصعب على الاتجاه الإسلامي السياسي الشيعي أن يجد أرضية فكرية
مشتركة مع التيارات السلفية، التي ترى في الخلافة أساس كل تصور
سياسي.
وبرغم ما حصل من تقارب في بعض
الفترات، خصوصاً أواخر القرن العشرين، بين الإخوان المسلمين وبعض
التيارات الشيعية، إلا أن هذا التلاقي لم يكن دليلاً على رؤية
مشتركة، بل كان في الأغلب تلاقياً في إطار الهموم الإسلامية العامة،
لا وحدة في الأسس العقائدية أو الرؤية السياسية. ويكفي أن نستحضر
الخطاب الذي ألقاه الرئيس المصري محمد مرسي – ممثل أول تجربة لحكم
الإخوان – في طهران، حيث استهل كلمته بـ"الترضي على الخلفاء
الراشدين"، وهو ما مثّل آنذاك رسالة سياسية واضحة، تتجاوز الجانب
العقدي الشخصي، لتؤكد عمق المفارقة بين المشروعين.
فالمكان كان قلب التجربة الإسلامية
الشيعية، والزمان مؤتمر عالمي، والمرسل هو رئيس إخواني، والرسالة لم
تكن بريئة، بل كانت إعلاناً ضمنياً عن استمرار المفاصلة، رغم ما
يبدو من تقاطع في بعض الشعارات أو القضايا.
لقد حاول حسن البنا في بدايات
المشروع الإخواني احتواء الخلافات المذهبية، وكان من أبرز المساهمين
في تأسيس "دار التقريب بين المذاهب الإسلامية"، وهي مبادرة كان
هدفها الظاهر التقريب بين السنة والشيعة، لكنها لم تنجُ من التوظيف
التكتيكي، حيث خفّ بريقها سريعاً بعد أن زالت الحاجة إليها. ويمكن
القول بأن التشيع، منذ انتصار الثورة الإسلامية في العقود الأخيرة
من القرن العشرين، تجاوز موقعه كطائفة مضطهدة إلى فاعل سياسي مركزي
في المنطقة، وقدّم نموذجاً في الحكم استطاع أن يصمد أمام التحديات،
بل ويتحول إلى منافس حقيقي للأنظمة الحديثة، وهو ما لم تستطع
الحركات السنية، خصوصاً تلك التي تأثرت بالمنهج السلفي، أن
تنجزه.
وقد بدا هذا التحوّل جلياً في تصدي
الشيعة لقضية فلسطين، ومواجهتها للمشاريع الإمبريالية في المنطقة،
وهو ما عمّق الهوّة بينها وبين التيارات السلفية التي باتت تنظر
للشيعة بوصفهم خصماً خطيراً، لا لأنهم يخالفونهم في العقيدة، بل
لأنهم نافسوهم في الفعل، وتفوّقوا عليهم في تحقيق نتائج ملموسة على
الأرض.
ومن هنا تتفهم طبيعة الحملة
العدائية التي تُشن على شيعة أهل البيت (عليهم السلام) كلما تقدموا
في تفعيل مشروعهم السياسي، ولا غرابة أن دول المنطقة لم تجد أي
مشكلة مع الشيعة حين كانوا تحت سلطة حكومات موالية للغرب، أو تحت
نظام صدام في العراق، بل كان الشيعة حينها أكثر تقبلاً لأنظمة
القمع، ما داموا خارج دوائر السلطة. لكن حين خرجوا من تلك الزاوية
الضيقة، وبدأوا يشكلون مشروعا إسلاميا حقيقيا، انقلبت المواقف،
وارتفعت نبرة التخويف من "الهلال الشيعي".
هذا التناقض يكشف لنا أن الصراع
ليس مذهبياً كما يُصوّر، بل هو سياسي بامتياز. فالسلفية السياسية
التي تقدم نفسها بوصفها الممثل الأصيل لأهل السنة، لا تستطيع أن
تتعايش مع تجربة منافسة من داخل العالم الإسلامي، خصوصاً إذا كانت
قادرة على تحقيق نتائج فعلية. ومع أن بعض العقول السنية قدمت
أطروحات فكرية متقدمة، إلا أن تأثيرها ظل نخبوياً، ولم يتحول إلى
وعي جماهيري، بعكس الفكر السلفي المتشدد الذي انتشر في الأوساط
الشعبية بفعل المال والنفوذ والدعم السياسي، وكرّس خطاب العداء
الطائفي في المجتمعات الإسلامية.
إن الغاية من هذا المقال ليس تسجيل
نقاط لصالح التشيع أو ضد التسنن، كما أن المقصود ليس إصدار حكم
مذهبي على أحد، بل الغرض الأساس هو الكشف عن مواطن الخلل في التفكير
السياسي داخل التجربة الإسلامية المعاصرة، سواء من حيث المرجعية
الفكرية، أو من حيث فاعلية النموذج في الواقع. وقد اتضح أن الحركات
الإسلامية السنية – في أغلب أطروحاتها – لا تزال مأسورة في نمط
تفكير تاريخي، يُعيد إنتاج الخلافة بصيغ تقليدية، أو يُعلّق مشاريعه
على استعادة تجربة قد طُويت صفحاتها، دون أن يملك قدرة فعلية على
تفكيك هذا الماضي أو تجاوزه بوعي معاصر.
في المقابل، نجد أن التجربة
الشيعية، لا سيما في امتدادها المعاصر بعد قيام دولة تستند لفكرة
ولاية الفقيه، استطاعت أن تقدم نموذجاً سياسياً خرج من أسر التاريخ،
وبدأ من تأسيس جديد، معترف بالزمن ومتحرك في واقعه، ومتفاعل مع
متغيراته. وهذه القدرة على تأسيس نظام سياسي يستمد شرعيته من داخل
الإسلام، لكنه لا يعيد تمثيل الماضي، هي ما جعل من المشروع الشيعي
أكثر قابلية للبقاء والتطور، وأشد تماساً مع الواقع الإقليمي
والدولي.
ومن هنا، فإن الحاجة اليوم ليست
إلى مفاضلة مذهبية، بل إلى مراجعة بنيوية في طبيعة العلاقة بين
الإسلام والسياسة. فحين تكون المرجعية هي الوحي، لا يجب أن تفرض
علينا التجارب التاريخية إملاءاتها. وحين تكون الغاية هي إقامة
العدل وتحرير الإنسان، فلا يمكن قبول أي خطاب سياسي يُقصي، أو يعيد
إنتاج الاستبداد باسم الدين.
إن تجاوز هذا المأزق يتطلب تحرير
الوعي الإسلامي من عقدة الماضي، وإعادة التفكير في طبيعة الدولة
ومقومات الحكم الرشيد من منظور إسلامي معاصر، لا يغفل النص، ولا
يُقدّس التجربة، بل يُعيد ترتيب العلاقة بين الدين والتاريخ، وبين
النص والتطبيق، وبين العقيدة والمصلحة العامة.
ومن هنا يصبح البحث في التجربة
الشيعية لا مجرد تتبع لخصوصيات مذهب، بل محاولة لقراءة مغايرة
لاتجاهه السياسي من داخله، وطرح سؤال جوهري: هل يمكن أن ننتمي إلى
الإسلام دون أن نُستعبد لتاريخه السياسي؟ وهل نستطيع أن نُنتج
حُكماً إسلامياً حديثاً لا يستنسخ التجربة بل يستلهم القيم؟ هذه
الأسئلة هي التي ينبغي أن تتصدر تفكير الحركات الإسلامية اليوم، إن
أرادت أن تخرج من حالة التكرار إلى أفق التأسيس، ومن دائرة الشعار
إلى ميدان الفعل الحضاري.
الأكثر قراءة
33814
19585