

موافقة الأب في زواج الفتاة: حماية شرعية مدعومة بالحقائق النفسية
الشيخ مصطفى الهجري
يثار في المجتمعات المعاصرة تساؤلات حول موقف الإسلام من ضرورة حصول الفتاة على موافقة والدها عند الزواج، حيث يفسر البعض هذا الأمر تفسيراً خاطئاً بأنه ينبع من اعتبار المرأة قاصرة أو أقل نضجاً من الرجل. هذا التفسير المغلوط يحتاج إلى تصحيح من خلال فهم الحكمة الحقيقية وراء هذا التوجه الإسلامي، والتي تستند إلى أسس نفسية واجتماعية عميقة أكدتها الأبحاث النفسية الحديثة.
إن فلسفة استئذان الفتاة لأبيها في الزواج لا تنبع من اعتبارها قاصرة أو أقل من الرجل في النضج الاجتماعي. ولو كان الأمر كذلك، لما وُجد فرق بين الثيب والبكر في الأحكام الفقهية، حيث نجد أن الثيب البالغة من العمر ستة عشر عاماً قد تكون مستغنية عن موافقة الأب، بينما تحتاج البالغة ثمانية عشر عاماً إلى موافقته إذا كانت بكراً.
كما أن الإسلام منح المرأة البالغة الرشيدة استقلاليتها الاقتصادية الكاملة، وأقر صحة معاملاتها المالية حتى لو بلغت الملايين دون الحاجة لموافقة الأب أو الأخ أو الزوج. هذا يؤكد أن الإسلام لا يشكك في قدرة المرأة العقلية أو نضجها الاجتماعي، بل إن له فلسفة أخرى لا يمكن إغفالها.
ونحن وإن كنّا مسلمين بالأحكام الشرعية ولا ندعي معرفة عللها؛ فإن دين الله لا يدرك بالعقول. لكن الأبحاث النفسية الحديثة كشفت عن بعض الثمرات، قد تكون هي العلة من وراء الحكم أو جزء منها، فبحسب هذه الأبحاث يرتبط هذا الموضوع بجانب أساسي من التركيب النفسي للرجل والمرأة، حيث يتميز الرجل بروح الاصطياد والسعي وراء الإنجاز، بينما تتميز المرأة بسرعة الاطمئنان العاطفي في مقابل قدرتها الفائقة على الوفاء والإخلاص.
وقد أكدت الدراسات النفسية الحديثة هذه الاختلافات الجوهرية. فالدكتور جون غراي في كتابه الشهير "الرجال من المريخ والنساء من الزهرة" يؤكد أن الرجال والنساء يختلفون في طريقة تعاملهم مع العواطف والعلاقات. كما أشار عالم النفس التطوري ديفيد باس إلى أن الاختلافات النفسية بين الجنسين تعكس استراتيجيات تطورية مختلفة في التكاثر والبقاء.
كما يشير هؤلاء، الى إن "الرجل عبد الشهوة والمرأة أسيرة المحبة". هذا التعبير البليغ يلخص حقيقة نفسية عميقة أكدتها البحوث العلمية. فالذي يهز الرجل ويجره إلى المنزلق هو الشهوة الجسدية، بينما المرأة - كما يعترف علماء النفس - أشد من الرجل صبراً وثباتاً أمام الشهوة الجسدية.
الدكتورة هيلين فيشر، عالمة الأنثروبولوجيا المتخصصة في دراسة الحب والعلاقات، تؤكد أن دماغ المرأة يفرز هرمونات الأوكسيتوسين والفازوبريسين بمستويات أعلى عند تكوين الروابط العاطفية، مما يجعلها أكثر تعلقاً وإخلاصاً في العلاقات العاطفية.
لكن الذي يأسر المرأة حقاً هو سماعها لنغمة المحبة والصفاء والعشق والوفاء من الرجل، وهنا تكمن سرعة اطمئنان المرأة العاطفي. هذا ما أكده البروفيسور ريك، عالم النفس الأمريكي، حين قال: «خير جملة يمكن أن يقولها رجل لامرأة هي عزيزتي أني أحبك"، وأضاف: "تتلخص السعادة بالنسبة للمرأة في امتلاكها قلب رجل والاحتفاظ به طول عمرها».
وقد سبق النبي الأكرم صلى الله عليه وآله هذه الحقائق النفسية بأربعة عشر قرناً حين قال: «قول الرجل للمرأة أحبك لن يذهب من قلبها أبداً». هذا الحديث الشريف يكشف عن فهم عميق للطبيعة النفسية للمرأة وتعلقها العاطفي الشديد.
الدراسات النفسية المعاصرة تؤكد صحة هذه الملاحظة النبوية، حيث أظهرت أبحاث الدكتور آرثر آرون في جامعة ستوني بروك أن كلمات الحب والتعبير العاطفي تترك أثراً أعمق وأطول في ذاكرة المرأة مقارنة بالرجل.
من هنا فسر الشيخ ناصر مكارم شيرازي هذا الحكم بأنه «حماية إضافية للفتاة في أهم قرار في حياتها»، مؤكداً أن الإسلام لا يحتقر المرأة أبداً، بل «وضع على كتفها يد الحماية».
كما يشير الشيخ جعفر السبحاني إلى أن هذا الحكم يأخذ بعين الاعتبار الطبيعة النفسية والاجتماعية للمرأة، وخاصة الفتاة التي لم تختبر التعامل مع الرجال. فالأب، بحكم تجربته وخبرته الحياتية، أعرف بطبيعة الرجال ودوافعهم، وهو في معظم الحالات لا يريد لابنته إلا الخير والسعادة.
إن الأشخاص الذين يحثون الفتيات على التمرد وعدم الاكتراث بآراء أوليائهن، رغم مواجهتهم اليومية لقصص خداع الفتيات من قبل الشباب الفاسد، إنما يمارسون نوعاً من التواطؤ المدمر. هؤلاء، تحت شعار الحرص على مصلحة النساء، يصنعون منهن فرائس سهلة لمصطادي النساء في العصر الحديث.
وفي الختام.. إن فلسفة موافقة الأب في زواج ابنته لا تنبع من احتقار للمرأة أو شك في قدراتها، بل من فهم عميق للطبيعة النفسية المختلفة لكل من الرجل والمرأة. هذا الفهم الذي أكدته الشريعة الإسلامية منذ أربعة عشر قرناً، تؤكده اليوم البحوث النفسية والاجتماعية الحديثة.
إن الهدف الحقيقي هو حماية الفتاة من استغلال عواطفها النبيلة
وتعلقها العاطفي السريع، وضمان اتخاذها قراراً مدروساً في أهم محطات
حياتها. هذا لا ينتقص من كرامتها أو أهليتها، بل يضيف طبقة حماية
إضافية تحفظ لها حقها في حياة زوجية سعيدة ومستقرة.