17 شعبان 1447 هـ   4 شباط 2026 مـ 12:58 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2026-02-04   17

سلسلة الاعجاز القرآني في نقد اليهودية والمسيحية.. المقالة الأولى.


الشيخ مصطفى الهجري

نزل القرآن في بيئة فخرها في أدبها، شعراً ونثراً وخطابة. مع هذا لم يُعرف محمد صلى الله عليه واله بين رجال مكة بنظم الشعر ولا الخطابة (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي له) يس: 69، لا في سوق عكاظ ولا سوق مجنة او ذي المجاز.

ورغم ذلك كانت معجزة النبي الخاتم صلى الله عليه واله التي تحدى بها أهل عصره ومن بعدهم، كتاباً يُتلى على نسق غير مسبوق، فيه تعليم وموعظة وخبر الأولين. وكان التحدي به شديد الوقع على المشركين، عظيم الاستفزاز لقلوبهم، حتى غلت قلوبهم كالمراجل من شدة الغيض، غير أنهم لم يستطيعوا مواجهة هذا التحدي، (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) الأسراء: 88.

بل حتى أدباء معاصرين من ديانات مختلفة اعترفوا بخشيتهم من قراءتهم للقرآن خشية تأثرهم بسحره واضطرارهم لتغيير دينهم، منهم الشاعر اللبناني أمين نخلة الذي قيل أن أمير الشعراء أحمد شوقي أقره على أمارة الشعر من بعده (ذيل الأعلام، أحمد العلاونة، ص46)، وقد كتب أمين نخلة خاطرة تحت عنوان «الكتاب المعجز» يقول فيها: «ما قرات في القرآن قط، وتلقتني تلك الفصاحة من كل جهة، وشهدت ذلك الإعجاز الذي يطبق العقل، إلا صحت بنفسي: إنجي ويحك، فإنني على دين النصرانية..». في الهواء الطلق، ص175.

أما الأديب والشاعر المعاصر نقولا حنّا فقد قاده إيمانه بإعجاز القرآن الى اعتناق الإسلام، والكتابة في بيان فضل هذا الكتاب العظيم، فقال في قصيدته «من وحي القرآن»: «قرأت القرآن فأذهلني، وتعمقت به ففتنني، ثم أعدت القراءة فآمنت.. آمنت بالقرآن الإلهي العظيم، وبالرسول من حمله.. النبي العربي الكريم، أما الله فمن نصرانيتي ورثت إيماني به، وبالفرقان عظم هذا الإيمان.. وكيف لا أؤمن ومعجزة القرآن بين يدي أنظرها وأحسها كل حين.. هي معجزة لا كبقية المعجزات.. معجزة إلهية خالدة تدل بنفسها عن نفسها، وليست بحاجة لمن يحدث عنها أو يبشر بها». من وحي القرآن، ص149.

الإعجاز المغفول عنه
 بسط علماء الإسلام الكلام في الأوجه المختلفة للإعجاز القرآني، كالإعجاز البلاغي والبياني والعلمي، ولهم في ذلك مصنفات كثيرة، لكنهم لما تناولوا إعجاز القرآن من جهة إخباره بما في كتب الأولين وأسفارهم التي لا يعلمها إلا أحبار اليهود والنصارى لم يستفيضوا بالبيان؛ ولعل عذرهم في ذلك أنهم لم يكونوا مطلعين على اللغات التي كُتبت بها كتب الأولين، كما أن الكثير من هذه الأسرار لم تنكشف إلا مع تطور الدراسات اللغوية والتاريخية في القرون الأخيرة.

مع أن هذا الجانب ـ ذكر القرآن لأسرار لا يعلمها إلا أحبار اليهود والنصارى ـ من أهم وجوه إعجاز القرآن الكريم، وقد نص الوحي على مركزيته وإعجازه في زمن البعثة في قوله تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى) طه: 133، فقد جعل القرآن الكريم ذكره لما في صحف الأولين آية ومعجزة يحتج بها على المشركين المعاندين.

والمراد من الإعجاز في باب إخبار القرآن بما في كتب الأولين أنه دليل وبرهان على أنه كلام الله سبحانه، فكلمة المعجزة في اصطلاحهم يراد بها التحدي بالإتيان بالمثل، وهنا لم يُرد هذا المعنى بحسب الظاهر كما هو رأي بعض الباحثين المعاصرين كالطاهر بن عاشور (التحرير والتنوير ج12، ص19).

كما ان المراد من قولنا «أخبار الأولين» اشتمال القرآن على أخبار اليهود والنصارى وما في كتبهم من أخبار على وجه دقيق بصورة تأبى طبيعة حياة النبي صلى الله عليه واله وبيئة مكة أن تدركها.
كما أن القرآن اشتمل على نقد هذه العقائد بنحو يمتنع صدور مثله عن رجل عاش في الحجاز قبل أكثر من أربعة عشر قرناً. فعامة الأخبار الواردة في القرآن عن الشخصيات والأمم السالفة وردت موافقة لما في توراة أهل الكتاب، والخلاف بين الخبرين ظاهر – أساسًا – في أمرين: 
الأول: البعد العقدي والنسقي والأخلاقي للقصص.
والثاني: الاختلاف في التفاصيل إمّا حذفًا أو مخالفة، وهذه المخالفة لا يمكن أن تصدر عمّن لم يحيط بخبر أهل الكتاب، عن اجتهاد أو بوحي؛ فلا يستطيعها من كان قصارى أمره معرفة بعض الأخبار المتفرقة على صورة شفوية. ولما كان كلٌّ من محمد صلى الله عليه وآله، وكل أهل مكة، وعامة اليهود والنصارى، لا يملكون هذه المعرفة الواسعة التي تتيح الانتقاء المرجح للاستدلال والتوظيف الديني، لزم تفسير الأمر بالوحي.

وأوضح من ذلك في الدلالة على ربانية القرآن، أمور أخرى:

الأول: خلوّ القرآن من الأخطاء التاريخية، رغم أن القرآن شارك الكتاب المقدس كثيرًا من القصص التي أثبت البحث الأثري المعاصر وجود أخطاء تاريخية في سرديتها التوراتية اليهودية، ومما قيل في ذلك إقرار المستشرقين الفرنسيين الراهب ميشيل كويرس وجوزيف غويبو أنه يجب الإقرار بأن كل من حاول حتى الآن الطعن في دقة المعلومات التاريخية التي يقدمها القرآن، فقد وجد نفسه في موقف محرج. وسنذكر هنا مثالاً واحداً فقط. فقد تم انتقاد القرآن طويلاً بسبب ذكره شخصية السامري (سورة طه) في زمن موسى، معتبرين ذلك خطأً تاريخياً بسبب ما اعتبر مفارقة زمنية، غير أن الاكتشافات الحديثة للنصوص المحفوظة لدى السامريين أنفسهم كشفت أنهم يزعمون منذ أزمنة بعيدة أن أصولهم تعود إلى يشوع.

فصحح القرآن أخطاء الكتاب المقدس والكنيسة في مسائل علمية لم يُدركها إلا حديثاً.

من هنا سنذكر فيه هذه السلسة أهم موارد الاختلاف بين الروايتين ومطابقة رواية القرآن لمخرجات العلوم المعاصرة.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م