6 رمضان 1447 هـ   22 شباط 2026 مـ 1:07 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2026-02-22   11

هل يمنح العقل تفسيراً كافياً لمعنى الحياة؟


 

الشيخ معتصم السيد أحمد

 

حين يُطرح سؤال العقل والدين غالباً يُفهم وكأنه صراع على تفسير العالم: من الأقدر على الشرح؟ من الأصدق في المعرفة؟ لكن هذا الفهم يختزل القضية كثيراً؛ لأن الإنسان لا يعيش في العالم بوصفه مسألة علمية، بل بوصفه تجربة وجودية. نحن لا نريد فقط أن نفهم ما حولنا، بل أن نفهم لماذا نعيش فيه، ولماذا ينبغي أن نستمر. لذلك فالمشكلة الحقيقية ليست: هل يستطيع العقل أن يفسّر الظواهر؟ بل: هل يستطيع أن يبرّر الوجود نفسه بالنسبة للإنسان؟

 

لقد أثبت العقل قدرته الهائلة في مجال “الكيفية”. استطاع أن يكشف بنية المادة، ويصف نشأة الكواكب، ويحلّل الدماغ واللغة والسلوك الاجتماعي. بل إن معظم ما يحيط بنا اليوم هو نتيجة مباشرة لنجاح العقل في فهم قوانين العالم والتعامل معها. ولذلك فالتشكيك في قيمة العقل أو التقليل من شأنه ليس إلا وهماً؛ إذ لا يمكن لأي إنسان أن يعيش دون الاعتماد عليه في إدراك الواقع واتخاذ القرار.

 

غير أن هذا النجاح نفسه هو الذي يكشف حدوده. فالعقل ينجح حين يكون السؤال: كيف يحدث الشيء؟ لكنه يتوقف حين يصبح السؤال: لماذا ينبغي أن يحدث؟

 

هو يشرح آلية الألم، لكنه لا يشرح لماذا أتحمل الألم.

 

يشرح كيف نشأت الأخلاق اجتماعياً، لكنه لا يجيب لماذا يجب أن أكون أخلاقياً عندما تتعارض الأخلاق مع مصلحتي.

 

يشرح كيف يحافظ الصدق على الثقة العامة، لكنه لا يقدم سبباً ملزماً للصدق حين يكون الكذب أنجح.

 

هنا نكتشف الفرق بين تفسير العالم وتبرير العيش فيه.

العقل يفسّر، لكنه لا يمنح الإلزام الوجودي.

 

ولهذا نجد أن كل منظومة أخلاق عقلانية خالصة تنتهي — مهما بدت متماسكة — إلى الاحتمال لا الضرورة. تقول لك: من الأفضل أن تكون عادلاً، لأن العدل ينفع المجتمع. لكن لو استطعت أن تستفيد من الظلم دون أن ينهار المجتمع من حولك، فلن تجد في العقل وحده ما يمنعك منعاً قاطعاً. سيبقى الأمر خياراً، لا حقيقة واجبة.

 

الإنسان، بطبيعته، لا يكتفي بالخيار النفعي، بل يبحث عن المعنى. يحتاج أن يشعر أن الخير ليس مجرد ترتيب اجتماعي مفيد، بل جزء من بنية الوجود نفسها. يحتاج أن يطمئن أن العدل ليس اتفاقاً بشرياً قابلاً للتبديل، بل حقيقة أعمق من أهواء البشر. من هنا يظهر القلق الوجودي في الحضارة الحديثة: تقدّم هائل في تفسير العالم، يقابله ارتباك عميق في معنى الحياة.

 

فالمعرفة العلمية أجابت عن آلاف الأسئلة، لكنها لم تُنهِ السؤال الأكبر: لماذا أعيش؟

 

وحين يُترك الإنسان وحده ليصنع المعنى بنفسه، يصبح المعنى مشروعاً نفسياً لا واقعاً موضوعياً. أي أن الإنسان يضع لنفسه هدفاً لأنه يحتاجه، لا لأنه متجذّر في حقيقة أوسع منه. وهنا تكمن الهشاشة: ما أستطيع أن أصنعه أستطيع أن ألغيه، ولذلك يبقى المعنى قابلاً للانهيار عند أول صدمة كبرى، أو ألم غير مفهوم، أو ظلم لا يُعوَّض.

 

من هنا لا يظهر الدين بوصفه بديلاً عن العقل، بل بوصفه مكمّلاً له في مجال لا يستطيع العقل دخوله وحده. الدين لا يأتي ليخبر الإنسان كيف تدور المجرات، بل لماذا ينبغي أن يعيش الإنسان داخل هذا الكون باتجاه معين. إنه ينقل السؤال من: كيف يعمل العالم؟ إلى: ماذا يعني أن أكون أنا فيه؟

 

فالفرق الجوهري أن العقل ينطلق من داخل الوجود ليحلله، أما الإيمان فيربط الوجود بمعنى يتجاوزه. وبذلك يتحول الخير من خيار عملي إلى انسجام مع الحقيقة، ويتحول الصبر من تحمّل اضطراري إلى فهم لموضع الألم في الطريق، ويصبح الموت نفسه حدثاً ذا موقع لا قطيعة عبثية.

 

ولهذا يستطيع الإنسان أن يعيش بلا دين بمعنى الممارسة الظاهرة، لكنه لا يستطيع أن يعيش بلا إيمان بمعنى الارتباط بمعنى متجاوز. حتى من يرفض الدين الصريح يبحث عن بدائل: يقدّس الإنسانية، أو التاريخ، أو التقدم، أو الحرية المطلقة، أو الفن، أو الرسالة الشخصية. هذه ليست أخطاء، بل محاولات لا شعورية لملء الفراغ نفسه؛ لأن الإنسان مفطور على أن وجوده ينبغي أن يكون متصلاً بحقيقة أكبر منه.

 

لكن الفرق أن المعنى المصنوع يظل قابلاً للمراجعة، بينما المعنى المكتشف يمنح الطمأنينة.

 

الأول يُبنى بالإرادة النفسية، والثاني يُستمد من بنية الواقع.

وهنا نفهم أن السؤال ليس: عقل أم دين؟

بل: هل المعنى نتيجة تفكير، أم أساس يوجّه التفكير؟

 

إذا كان العقل وحده مصدر المعنى، يصبح الإنسان هو المقياس النهائي لكل شيء، وبالتالي لا يعود هناك معنى أعلى من رغباته إلا ما يقرره هو. أما إذا كان المعنى سابقاً عليه، يصبح العقل أداة لاكتشاف موقعه داخله لا صانعاً له. وبذلك يتحول العقل من مشرّع للقيم إلى فاهم لها، ومن واضع للغاية إلى مكتشف لاتجاهها.

 

إن الإيمان في هذا السياق ليس إلغاءً للتفكير، بل هو اعتراف بأن التفكير نفسه يشير إلى ما وراءه. فالعقل حين يصل إلى حدوده لا يتوقف، بل يسأل: لماذا توجد حدود أصلاً؟ ولماذا أبحث عن المطلق إذا كان الوجود كله نسبياً؟ هذا التوتر الداخلي هو الذي يجعل الإيمان امتداداً طبيعياً للعقل الصادق، لا قفزة ضده.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م