6 رمضان 1447 هـ   22 شباط 2026 مـ 1:10 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2026-02-22   14

كيف نعيد تشكيل وعي الأمة بالدين؟


 

الشيخ معتصم السيد احمد

 

ليست المشكلة الكبرى في عالمنا الإسلامي اليوم ضعف التدين، فالمشهد العام يوحي بعكس ذلك تماماً؛ المساجد عامرة، والمناسبات الدينية حاضرة بقوة، واللغة الإيمانية ما زالت متداولة في الحياة اليومية، بل حتى النقاشات العامة لا تخلو من استدعاء النصوص والمفاهيم الدينية. ومع ذلك فإن هذا الحضور الكثيف للدين لم يمنع حالة العجز الحضاري، ولا الشعور العام بأن الأمة تعيش على هامش الفعل التاريخي لا في مركزه. هنا يبرز السؤال الحقيقي: كيف يمكن لدين حاضر في كل تفاصيل الحياة أن يغيب أثره عن صناعة الحياة؟

 

الجواب لا يكمن في مقدار التدين، بل في اتجاهه. لقد تشكّل عبر القرون نمط من الفهم جعل الدين مشروع نجاة فردية قبل أن يكون مشروع مسؤولية جماعية. فبدلاً من أن يسأل الإنسان: ماذا يريد الله من وجودي في العالم؟ صار يسأل: كيف أنجو أنا في هذا العالم؟ ومع مرور الزمن أعيد ترتيب المفاهيم الدينية كلها حول هذا السؤال الواحد حتى أصبح معيار الصلاح هو السلامة الشخصية لا القدرة على حمل الأمانة.

 

بهذا التحول انتقل الدين من كونه قوة تفسير وتغيير إلى وسيلة تكيّف واحتمال. لم يعد المتدين مطالباً بأن يكون شاهداً على الواقع، بل فقط أن يحافظ على نفسه فيه. ولم يعد الخلل يُرى في اختلال العدل، بل في كل ما يهدد الاستقرار النفسي للفرد. وهنا بدأ التراجع الهادئ: تراجع لا يحدث عبر ترك الدين بل عبر إعادة تعريفه.

 

أول التحولات العميقة أصاب مفهوم الطاعة. فالطاعة في أصلها التزام واعٍ بالقيمة، أي انحياز للحق حتى لو خالف السائد، لكنها تحولت تدريجياً إلى سلوك نفسي قائم على الانضباط وتجنب الإرباك. صار الإنسان مطيعاً حين لا يعترض، لا حين ينحاز للعدل. ومع الزمن أصبح الفرق كبيراً بين طاعة الله وطاعة الواقع، لكنهما اختلطا في الوعي حتى صار الإنسان يظن أنه يلتزم بالدين بينما هو في الحقيقة يكيّف الدين مع ما يريحه.

 

بهذا المعنى لم يعد الاستبداد يحتاج دائماً إلى قمعٍ مباشر، يكفي أن يُعاد تفسير الطاعة لتصبح فضيلة سلوكية، فيتحول الخضوع إلى تدين. وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة يصبح الخروج عن الخطأ أقرب إلى التهور منه إلى الواجب، ويصبح الصمت حكمة، والاحتجاج نقصاً في الاتزان.

 

ثم جاء التحول الأخطر في مفهوم الفتنة. فقد تغيّر معناها من اختلال العدل إلى اختلال الراحة. لم يعد الناس يخشون انتشار الظلم بقدر خشيتهم من اضطراب الواقع بسببه. فأي محاولة لتصحيح الانحراف قد توصف بأنها فتح لباب الفتن، بينما بقاء الانحراف نفسه لا يثير القلق ذاته. ومع تكرار هذا الفهم تتكوّن حساسية معكوسة: المجتمع لا يقاوم المرض بل يقاوم الألم الناتج عن علاجه.

 

وهكذا تترسخ ثقافة ترى بقاء الخطأ أهون من تكلفة إصلاحه، لا لأن الناس يحبون الظلم، بل لأنهم تعلموا أن السلامة أولى من المعنى. هنا يبدأ الضمور الأخلاقي الصامت: لا أحد يدافع عن الباطل صراحة، لكن قلة فقط تشعر بضرورة مقاومته.

 

التحول الثالث أصاب معنى العبادة نفسها. فقد انفصلت العبادة عن وظيفتها التربوية، وأصبحت ملاذاً روحياً لا برنامج إعداد. صارت الصلاة استراحة من الواقع لا تأهيلاً لمواجهته، والصوم تجربة وجدانية لا تدريباً على الإرادة، والذكر حالة سكون لا يقظة ضمير. وبدلاً من أن تغادر القيم المسجد مع الإنسان، بقيت داخله، فعاش ازدواجاً هادئاً: لحظات صفاء دون أثر ممتد.

 

هذا الشكل من التدين لا ينتج إنساناً فاسداً، بل ينتج إنساناً صالحاً بلا أثر. والفرق كبير بين فساد ظاهر وصلاح معطّل؛ فالأول يواجه نفسه، أما الثاني فيظن أنه أدى ما عليه. ومع الزمن يصبح الدين عالماً موازياً يواسي الإنسان لا قوة داخلية تدفعه للفعل.

 

ثم انكمش مفهوم الرسالة الجماعية حتى أصبح الدين أقرب إلى مشروع خلاص فردي. صار السؤال المركزي: كيف أدخل الجنة؟ لا: ماذا أفعل في الأرض؟ ومع هذا الانكماش تلاشت فكرة الشهادة الحضارية، أي أن يكون وجود الأمة معياراً أخلاقياً في التاريخ. فالإنسان الذي يرى الدين طريقه الشخصي للنجاة قد يكون نقياً في ذاته لكنه محايد في عالمه، يعيش بقيم سامية دون أن يشعر أن عليه مسؤولية نشرها أو حمايتها.

 

وهنا يتكوّن نموذج الإنسان المطمئن: متوازن نفسياً، واضح العبادات، قليل الاحتكاك بالواقع. إنسان صالح في ذاته لكنه لا يرى نفسه جزءاً من ميزان العدل في العالم. وهذا النموذج هو أكثر ما تحتاجه كل منظومة ظالمة؛ لأنه لا يعارضها ولا يبررها، بل يتجاوزها نفسياً، فيبقى الواقع كما هو.

 

تحوّل الإيمان بالقدر في الوعي الشائع إلى تفسيرٍ للواقع بدلاً من كونه تفسيراً لنتائج الأفعال؛ فصار يُستدعى قبل المحاولة لا بعدها. وأصبح الإنسان يترك الفعل بحجة أن ما سيقع قد كُتب، فخفّ شعوره بالمسؤولية لأن الأحداث تُفهم كأمرٍ لا يتأثر باختياراته، بل يجري بمعزلٍ عنه. أما التوكل فبقي لفظاً يُقال، لكن مضمونه العملي غاب حين لم يعد الفعل يسبقه.

 

في هذا الإطار يصبح العجز مقبولاً، بل مبرراً، ويغدو الفرق بين التسليم والانسحاب غير واضح. ومع الزمن يتكون وعي يرى أن تغيير الواقع مخاطرة غير لازمة، وأن الأفضل هو إصلاح النفس وترك العالم يسير كما هو.

 

إعادة تشكيل وعي الأمة لا تبدأ بإثارة الحماس ولا بتكثير المعلومات، بل بإعادة بناء هذه المفاهيم من جذورها. أن تعود الطاعة التزاماً بالقيمة لا بالوضع، وأن تُفهم الفتنة بوصفها اختلال العدل لا اختلال الراحة، وأن تستعاد العبادة كإعداد أخلاقي لا تعويض نفسي، وأن يتحول سؤال النجاة إلى سؤال الأمانة، وأن يصبح القدر سنداً للفعل لا بديلاً عنه.

 

عندها لن يحتاج الناس إلى دعوة دائمة للحركة؛ لأنهم لن يستطيعوا العيش بلا دور. سيصبح الموقف نتيجة طبيعية للفهم، لا بطولة استثنائية. وسيدرك الإنسان أن الدين لم يعطه مكاناً آمناً في العالم بل أعطاه معنى فيه، وأن الطمأنينة الحقيقية لا تأتي من الانسحاب بل من الاتساق بين ما يؤمن به وما يعيش لأجله.

 

حين يتغير هذا البناء الداخلي يتغير كل شيء دون أن يتغير شيء في الظاهر. فالأمم لا تبدأ نهضتها حين تمتلك القوة، بل حين تعيد تعريف الإنسان لدوره. وعندما يفهم الإنسان أن الإيمان ليس ضماناً فردياً فقط بل تكليفاً وجودياً، سيكتشف أن المشكلة لم تكن في قلة الإمكانات بل في ضيق الفهم.

 

هناك فقط يصبح الدين قوة حياة من جديد، لا مجرد عزاء عنها، ويعود الإنسان قادراً على أن يكون جزءاً من التاريخ لا متفرجاً عليه.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م