رجوع
أفضل العبادة.. العفة

أفضل العبادة.. العفة

تُعرف العفة على أنها منع النفس عما لا يُحل ولا يُجمل من الشهوات الخاصة بالبطن والفرج، ولا يكون ذلك الا بالترفع عنها وتحرير النفس من سطوتها المذلة والحاحها المغري. كما أنها صفة نفسانيّة في الإنسان، تدفعه لمنع نفسه من ارتكاب ما ليس له به وجه حق، ويمكن التعرّف لهذ الصفة من خلال آثارها التي تظهر على الإ...

تُعرف العفة على أنها منع النفس عما لا يُحل ولا يُجمل من الشهوات الخاصة بالبطن والفرج، ولا يكون ذلك الا بالترفع عنها وتحرير النفس من سطوتها المذلة والحاحها المغري.
كما أنها صفة نفسانيّة في الإنسان، تدفعه لمنع نفسه من ارتكاب ما ليس له به وجه حق، ويمكن التعرّف لهذ الصفة من خلال آثارها التي تظهر على الإنسان كالحياء وصون النفس ومنعها عن الحرام  
والتعفف من الخصال الحميدة، بل إنها أنبل الخصال وأجمل الصفات التي يمكن أن يتصف بها العبد، لأن فيها مداليل على سمو نفس المتعفف، وكرامته، وخيفته من الله، أي أنها تسامي بالغرائز والرغبات، وعلوا بالنفس عن الصغائر، سواء في نفس الفعل الفاحش والمحرم بل وفيما يؤدي إلى ذلك من أسباب ودواعي.
وقد أوردها القرآن الكريم في هذا المعنى ـ معنى العفة الأخلاقية ـ في موردين اثنين، هما: ((وَلْيَسْتَعْفِفِ الذين لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فضله  والذين يَبْتَغُونَ الكتب مِمَّا مَلَكَتْ أيمانكم فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وآتوهم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ الذى ءَاتَىٰكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمْ عَلَى البغاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعْدِ إِكْرَٰهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ))(سورة النور ـ 33)، وقوله تعالى: ((وَالْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ))(سورة النور ـ 60)، ما عين ان العفة في هذا الورد إنما تعني منع النفس من فعل الحرام، اكلا وغريزة، مما بينه الله سبحانه في مورد أخر وبلفظ "حفظ الفروج وغض الأبصار" بقوله تعالى: ((قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ))(سورة النور ـ 30). 
وعلى هذا وذاك، فالمراد بالعفة، ما يلي:
العفّة في الملبس والحجاب، كما في قوله تعالى: ((وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ))( سورة النور ـ 60).
ضبط الشهوة وحفظ النفس من الحرام فيها، كما في قوله تعالى: ((وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ))(سورة النور ـ 33).
وهي ليس ما يراد من اللفظ المؤدي لمعنى الترفع عما ليس في ملك الإنسان من أموال الغير، التي مدح الله بها طائفة من المؤمنين ممن نذروا انفسهم للجهاد في سبيله، تاركين وراء ظهورهم مكاسبهم المادية من تجارة ومال، وكأن حالهم أغنياء من فرط ما يتعففون، وهو ما ورد في قوله تعالى: في سورة البقرة ((لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ))(سورة البقرة ـ 273) وسورة النساء: ((وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا))(سورة النساء ـ 6).
وما هذه التأكيدات الإسلامية على العفة إلا لأن البطن والفرج هما آفتان الإنسان ومزلقه الخطير الذي قد يوصله الى جهنم، فقد ورد عن نبي الإنسانية الأكرم محمد بن عبد الله صلوات الله تعالى عليه وآله أنه قال: "أكثر ما تلج به أُمّتي النار، الأجوفان البطن والفرج".
وتباعا للنبي صلوات الله تعالى عليه وآله، فقد أكد ائمة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام على هذا العنوان ـ عنوان عفة البصر والفرج والبطن ـ  كثيرا، فعن أمير المؤمنين الإمام علي عليه الصلاة والسلام قال: "الصبر عن الشهوة عفة"، وعنه عليه الصلاة والسلام أيضا: "العفاف زهادة"، وكما أنه عليه الصلاة والسلام قال: "العفاف يصون النفس وينزهها عن الدنايا"، كما اعتبر عليه الصلاة والسلام عفة العبد خير عطاء من الله سبحانه، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: "إذا أراد الله بعبدٍ خيراً أعف بطنه وفرجه"، بل أنه أنزل العفيف منزلة الملائكة وكاد، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: "لكاد العفيف أن يكون ملكاً من الملائكة"، بل واعتبر عليه الصلاة والسلام العفاف أعظم من الشهادة جهادا، فقد ورد عنه عليه الصلاة والسلام: "ما المجاهد الشهيد في سبيل الله بأعظم أجراً ممن قدر فعف".
كما اعتبرها الإمام محمد الباقر عليه الصلاة والسلام من افضل العبادات، فعنه قال: "ما من عبادة أفضل عند الله من عفّة بطن وفرج "، بل عد ذلك افضل جهاد يمكن ان يجاهده الفرد، كما في قوله عليه الصلاة والسلام لرجل قال له: "إني ضعيف العمل، قليل الصلاة قليل الصيام، ولكنّي أرجو أن لا آكل إلاّ حلالاً، ولا أنكح إلاّ حلالاً، فقال له الإمام محمد الباقر عليه الصلاة والسلام: "وأيّ جهاد أفضل من عفّة بطن وفرج ".
ولا يعني التعفف منع النفس عن ما تحتاج اليه وترغبه بشكل مشروع، إنما التعفف عن غير المشروع فقط، ويمكن اعتبار الاعتدال في الارتواء من ذلك دون الأفراط، نوعا من التعفف في المشروع. 

فاطمة الناظم 
مشاركة: