رجوع
الإنسان والمعرفة.. ما المطلوب منا من معارف وعلوم؟

الإنسان والمعرفة.. ما المطلوب منا من معارف وعلوم؟

لم يأتي الإسلام بتكهنات أو توصيات، ولم يكن دينا روحيا فقط، بل أنه دين للدينا كما هو موصل للآخرة، لذا لم نجده يقبل على من يؤمن به لمجرد أنه دين، إنما يطالبه بتحري العلم وإعمال العقل في البحث والفحص، لأنه دين علم وعمل، دين عقل وفكر.  ومن جهة أخرى، لم يقبل الإسلام على المؤمنين به، الاكتفاء بالمعارف الد...

لم يأتي الإسلام بتكهنات أو توصيات، ولم يكن دينا روحيا فقط، بل أنه دين للدينا كما هو موصل للآخرة، لذا لم نجده يقبل على من يؤمن به لمجرد أنه دين، إنما يطالبه بتحري العلم وإعمال العقل في البحث والفحص، لأنه دين علم وعمل، دين عقل وفكر. 
ومن جهة أخرى، لم يقبل الإسلام على المؤمنين به، الاكتفاء بالمعارف الدينية، وإن كانت هي رأس العلم ومداره، بل أنه حث المسلمين على تعلم غيرها من العلوم، الآخروية والدنيوية، خصوصا تلك التي يمكن أن تُثري العقل وتحرك الفكر وتجعل من المسلم أبعد نظرا وأكثر رسوخا في الدين.
والمتأمل في القرآن الكريم، يلمس حثه على تحصيل جملة علوم، وهي بمصاف ما لا يستغنى عنه، ومنها:

معرفة الخالق...
معرفة الله جل جلالـه هي أساس كل خير، ورأس كل علم، بل أنها أعلى المعارف وأوجبها وأكثرها تقريبا للمتحصل عليها من الله جل شأنه.
وقد وردت آيات عدة، تدعو الإنسان للبحث عن الله جل شأنه وعدم الشك به بعد تحصيل ما يتقين به، ومن ذك قوله تعالى: ((قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى. قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فاتونا بسلطان مبين))(سورة أبراهيم ـ 10)، وقوله تعالى: ((وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79))(سورة الأنعام ـ 75 ـ 79)، وقوله تعالى: ((هُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَالذِينَ كَفَرُوا بآيات اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ))(سورة الزمر ـ 63).   

معرفة خلق الخالق...
وفي هذه المعرفة يحث الله جل شأنه الأنسان على ضرورة التدبر في آيات الله في الخلق والإبداع، والتفكير في عظيم ذلك، ومقارنة ذلك بعجز الإنسان ـ مهما علا وتكبر وتجبر ـ ومهما أوتي من قوة، ليصل الى حقيقة ثابتة لا مراء فيها، إن الإنسان عاجز وضعيف أمام المطلق الأزلي الأبدي جل شأنه.
وثمة آيات كثيرة تدعو لوجوب هذه المعرفة، وتسمى الآيات الآفاقية، وهي الآيات التي تتحدث عن خلق الكون من شمس وقمر ونجوم وكواكب ونظام فلكي دقيق، بل وفي خلق الأحياء والاشياء وعجائب وأسرار ذلك مما لا يعد ولا يحصى، ومن هذه الآيات التي تدعو الإنسان للتفكير بعظيم خلق الله، قوله تعالى: ((قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ))(سورة يونس ـ 101)، وقوله تعالى: ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ))(سورة آل عمران ـ 190)، وقوله تعالى: ((أَلَمْ يَرَوِا اِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذَالِكَ ءَلاَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يـُومِنُونَ))(سورة النحل ـ 79)، وقوله تعالى: ((تَبَارَكَ الذِي جَعَلَ فِي السَّمَآءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا))(سورة الفرقان ـ 61). 
والجميل بهذا التدبر والتفكر، أنه مدعاة لرسوخ ايمان المتدبر وثبات عقيده، فضلا عن أنه في ذلك نوعا من الشكران لله على ما انعم وتفضل.

معرفة الإنسان نفسه...
يؤدي معرفة الإنسان الى نفسه، الى معرفة خالقه وصانعه، خصوصا إذا ما تأمل في جوانيات روحه وجسده،  إذ يمنحه ذلك فرصة للتدبر بعظيم هذا الصنع، ومنه بعظيم الصانع المبدع، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى، تدعو معرفة الإنسان لنفسه لإنضاج وعيه، لأن جهل الإنسان لنفسه يمنعه من معرفة محيطه وبيئته بل وربه، وهو ما بينه نبينا الأكرم محمد بن عبد الله صلوات الله تعالى عليه وآله بقوله الشريف: "مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّه ".
وقد تعددت الآيات الشريفات التي تحث الفرد منا للتدبر في معرفة كنه نفسه، وهي ما تسمى بالآيات الآنفسية والتي تتحدث عن خلق نفس الإنسان، جسده وروحا، ونظامه الحياتي وفعالياته الحيوية وطريقة عمل الدماغ والعقل والقلب والخلايا، وانعقاد النطفة ونمو الجنين في ظلمات الرحم. 
ومن هذه الآيات الشريفات، قوله تعالى: ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ))(سورة فصلت ـ 53)، وقوله تعالى: ((وفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ))(سورة الذاريات ـ 21).
وقد عُطفت هذه الآيات الشريفة بمنظومة حديثة عن أهل بيت العصمة صلوات الله تعالى عليهم، كتأكيد منهم بضرورة معرفة الإنسان لنفسه، فقد ورد عن الإمام علي عليه الصلاة والسلام قوله: "معرفة النفس انفع المعارف"، وقوله: "كيف يعرف غيره من يجهل نفسه "، وقوله: "نال الفوز الأكبر من ظفر بمعرفة النفس"، وقوله عليه الصلاة والسلام: "من عرف نفسه فقد انتهى إلى غاية كل معرفة و علم.

معرفة سالف الحوادث للاعتبار منها.. 
لم يكتفي القرآن الكريم بحث الإنسان على معرفة الله وخلقه والإنسان لنفسه، بل دعاه في موارد كثيرة لمعرفة التاريخ وحوادثه، من خلال القصص القرآنية التي تشكل منظومة اعتبارية له، وتدعوه للتأمل والاستفادة منها في حياته، خصوصا وإن لهذا التدبر في الماضي دورا مهما في تبيان ما غمض من حقائق من جهة، وتخليق ذلك كتجربة نافعة للفرد دون ان يضحي بتجربة شخصية منه، وهو ما يسمى بالاعتبار والعبرة. 
ومن الآيات التي تدعونا للتأمل في ما مضى من حوادث وأحداث، قوله تعالى: ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ))(سورة يوسف ـ 111)، وقوله تعالى: ((كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ ۚ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا))(سورة طه ـ 99)، وقوله تعالى: ((وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هذه الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ))(سورة هود ـ 120)، وقوله تعالى: ((...... ذَٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ))(سورة الأعراف ـ 176). 

ظافرة عبد الواحد خلف 
مشاركة: