الصبر.. سمة أولياء الله سبحانه،
وعلامة المؤمن به جل شأنه، وهو أعلى المراتب التي يتدرجها المؤمن،
ناهيك عن كون جائزة الصابر خاصة ومخصوصة، لأنه ـ الصبر ـ مما لا
يطيقه إلا من أمتحن الله قلبه بالابتلاء وتجاوز زلات النفس ومطامح
هواها.
والصبر يعني ثبات النفس وعدم
اضطرابها في المصيبة والشدة، وهو بذلك خلاف مفهوم الجزع، الذي
يعني اضطراب النفس وتململها من الابتلاء وربما
كفرها.
وقد أكد القرآن الكريم على أهمية
الصبر، وقرنه الى الصلاة، وعده من عزم الأمور، كما في قوله تعالى:
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ
وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ))(سورة البقرة ـ
153)، وقوله على لسان الحكيم لقمان: ((يَا بُنَيَّ أَقِمِ
الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ
وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ
الْأُمُورِ))(سورة لقمان ـ 17) بل ومنح الله الصابرين أجرا بغير
حساب، كما في قوله تعالى: (( قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا
اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذه الدُّنْيَا
حَسَنَةٌ ۗ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى
الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ))(سورة الزمر ـ
10).
ولا يكون الصبر صبرا، ما لم يكن
له ركنين أثنين، هما ثقة الصابر بالله سبحانه، والقبول بتأجيله
للذة الفوز بما يريد او يرغب، فصبر الصابر الواثق من الله والراضي
بما يشاء جل قدرته، هو ما يجزى به العبد، فربما صبر أحدنا دون أن
يثق بالله وأنه سيجازيه بخير ما يجزى به صابر، وفي ذلك ضعف
بالأيمان بل انه صبر مقدوح وليست ممدوحا؛ خصوصا ذلك الذي يتسم
بعدم الرضا عما أبتلي به، تشكيكا او جزعا.
والصبر الحقيقي هو ذاك الذي يتسم
صاحبه الصابر بحسن الظن بالله والاطمئنان لما ستؤول اليه الأمور،
وعد ابتلاءه مما يشاءه الله سبحانه، وهو أرحم الرحمين، كمصداق
لقوله تعالى: ((قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ
لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ
الْمُؤْمِنُونَ))(سورة التوبة ـ 51)، وهو ما يؤكده امير المؤمنين
علي عليه الصلاة والسلام في قوله: "الصَّبْرُ أَنْ يَحْتَمِلَ
الرَّجُلُ مَا يَنُوبُهُ وَ يَكْظِمَ مَا يُغْضِبُهُ".
وعلى هذا الأساس، ليس الصبر هو أن
لا نجزع وحسب، إنما أن نتوقع الخير من الله جل شأنه دائما وابدا،
وأن نرضى بما يحكم ويشاء، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فأن قبول
الصابر بجائزة صبره برضا ونفس مطمئنة، هو الركن الثاني اللازم
لاكتمال صورة الصبر الممدوح، خصوصا وأن النفس البشرية ميالة
لتحصيل ما تتمناه بشكل عاجل، في حين أن الصابر يحسب صبره ثمرة
يانعة، يستلذ بها لذته الحسية التي توازي تلك التي يشعر بها عند
اكتمال أحدى عبادته.
وقد قسم رسولنا الأكرم محمد بن
عبد الله صلوات الله تعالى عليه وآله الصبر الى ثلاثة انواع، صبر
عند المصيبة، وأخر على الطاعة، وثالث عن المعصية، كما يبينه صلوات
الله تعالى عليه وآله في حديثه الشريف: "الصَّبْرُ ثَلَاثَةٌ :
صَبْرٌ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ ، وَ صَبْرٌ عَلَى الطَّاعَةِ ، وَ
صَبْرٌ عَنِ الْمَعْصِيَةِ، فَمَنْ صَبَرَ عَلَى الْمُصِيبَةِ
حَتَّى يَرُدَّهَا بِحُسْنِ عَزَائِهَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ
ثَلَاثَمِائَةِ دَرَجَةٍ ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَةِ إِلَى
الدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، ومَنْ
صَبَرَ عَلَى الطَّاعَةِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ سِتَّمِائَةِ
دَرَجَةٍ ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَةِ إِلَى الدَّرَجَةِ كَمَا
بَيْنَ تُخُومِ الْأَرْضِ إِلَى الْعَرْش، ومَنْ صَبَرَ عَنِ
الْمَعْصِيَةِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ تِسْعَمِائَةِ دَرَجَةٍ ، مَا
بَيْنَ الدَّرَجَةِ إِلَى الدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ تُخُومِ
الْأَرْضِ إِلَى مُنْتَهَى الْعَرْشِ ".
ويمكن أن يتكامل صبر الصابر فيكون
صبرا جميلا، وهو مرتبة متقدمة من الصبر، وفيه يصبر الصابر على ما
أبتلي به دون تشكي لمخلوق، أيا كان هذا المخلوق، وتوكله بشكل مطلق
لله الواحد الأحد، وقد ورد عن إمامنا محمد الباقر عليه الصلاة
والسلام في تبيان معنى الصبر الجميل، فقال عليه الصلاة والسلام:
"ذَلِكَ صَبْرٌ لَيْسَ فِيهِ شَكْوَى إِلَى النَّاسِ".
وهو ـ الصبر الجميل ـ سمة عظيمة
اتسم بها أنبياء الله ورسله والأئمة من أهل بيت النبوة، لأن ذلك
لا يتحصله الا من كانت له بصيرة واضحة ودرجة ايمانية رفيعة
.
ومن أروع صور الصبر التي أتحفنا
المأثور، صبر رسولنا الأكرم محمد بن عبد الله صلوات الله تعالى
عليه وآله يوم توفي ابنه ابراهيم، فقال صلوات الله تعالى عليه
وآله: "تَدْمَعُ الْعَيْنُ، ويَحْزَنُ الْقَلْبُ، ولَا نَقُولُ
مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ، وإِنَّا بِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ
لَمَحْزُونُون".
وامثولة الصبر الكبرى، هو صبر نبي
الله يعقوب عليه السلام، على فعل ابنائه حيال ولده الأحب يوسف
عليه السلام، مما اكده القرآن الكريم في قوله تعالى: ((قَالُوا
يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ
عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ
لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17) وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ
بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا
ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا
تَصِفُونَ))(سورة يوسف ـ 17 ـ 18).
وما اعظمه من صبر، بل وصبر جميل،
ذلك الذي احتسبه إمامنا الحسين عليه الصلاة والسلام في طفه
الخالد، بعدما جُزّر أهل بيته أجمع؛ وسبيت حريمه؛ فتجلد بالصبر
وتقوى بالله سبحانه وقال: "هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي
أَنَّهُ بِعَيْنِ اللَّهِ"، وهو ما كان نبراسا لسيدة الصبر
زينب بنت علي عليهما الصلاة والسلام، فعلى عظم ما مرت به من قتل
للأخوة والأهلون، وسبي لبنات الرسالة من من الفواطم، فما كان منها
إلا أن قالت: "مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلًا، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ
كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ فَبَرَزُوا إِلَى
مَضَاجِعِهِمْ، وسيجمع اللَه بينك وبينهم فتحاج وتخاصم، فانظر لمن
الْفَلْجُ، يَوْمَئِذٍ، ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ مَرْجَانَةَ
ما رأيت إلا جميلاً"، في مورد أجابتها العظيمة على سؤال أبن زياد
اللعين: "كَيْفَ رَأَيْتِ صُنْعَ اللَّهِ بِأَخِيكِ وَ أَهْلِ
بَيْتِكِ؟".
فاطمة الناظم