الشيخ مقداد الربيعي
ينتهج الإسلام أسلوباً وقائياً في
معالجة الظواهر الاجتماعية المنحرفة، إضافة الى نهجه الجنائي
المعروف بإقامة الحدود، ومن ذلك سعيه لتحصين الشباب من البنات
والذكران بسلسلة من الإجراءات كتكليف البنت في بداية سن نضوجها،
وتكليفها بالحجاب واجتناب الاختلاط بالأجنبي، وكذلك تكليف الشاب في
بداية تحوله الإدراكي، ونضوج قوة نفسية عنده يتمكن معها من لجم
شهواته، فيكون مستعداً لامتثال الشريعة.
ولم يكن هذا التشريع وهو تعيين سن
معين للتكليف من تشريعات الإسلام وحده، فقد سبقته الحضارات القديمة
بما يعرف انثروبولوجياً بطقوس العبور، والتي ترمز عادة لبدأ مرحلة
جديدة من حياة الإنسان تختلف عن سابقتها. أنظر: "طقوس العبور"
أرنولد فان جينيب.
ويراد بتلك الطقوس مساعدة الفرد،
بتخفيف حدة الأزمات التي تصاحب التحولات الكبرى في حياته أو حياة
أسرته عادة.
والتحولات في حياة الإنسان حتمية
لا مفر منها، كما يرى فان جينيب، وهي انتقال الإنسان من مرحلة ثابتة
لها عالمها، شرائطها، وقيمها الخاصة بها إلى مرحلة أخرى أيضاً ثابتة
لها عالمها.
ولعل أوضح مثال على ذلك هو انتقال
الفرد من عالم الطفولة إلى عالم النضج، وكل مرحلة من هاتين
المرحلتين ثابتة بعالمها، وشرائطها الخاصة، ويستقر عليها الفرد
لفترة من الزمن حتى تصبح نمطية، ويسير كل حدث فيها بشكل رتيب
تقريباً.
ومرحلة العبور هذه مؤقتة غير
مستقرة، مليئة بالفوضى، وكثير من أحداثها لا يسهل فهمها، هي مرحلة
أزمة ينفصل فيها الفرد عن عالم المرحلة الأولى الذي استقر عليه
لفترة من الزمن.
فينسل من خصائصها شيئاً
فشيئاً ويتجرد من قيمها، كي يتمكن من الاندماج بعالم المرحلة
الثانية، والتكيف مع خصائصها وتبني قيمها، فالعبور من هذا المنطلق
هو مرحلة تدمير من أجل البناء.
ويؤكد عالم الأنثروبولوجيا
الاسكتلندي فيكتور تورنر ما طرحه فان جينيب سابقاً بأن الطقوس التي
تمارسها الجماعات ما هي إلا وسيلة لتخفيف حدة الأزمات التي تنشأ عن
مرحلة العبور، فحفل الزفاف هو طقس اجتماعي يساعد العريسين على
العبور بشكل سلس من عالم العزوبية إلى عالم الزوجية والمسؤولية
الأسرية.
من هنا يأتي دور مؤسسات المجتمع
لمساعدة الأفراد في تحولات أطوار حياتهم، فنجد مؤسسة بوزن العتبة
الحسينية او نظيرتها العباسية تحرصان على إقامة طقوس واحتفالات
البلوغ لكلا الجنسين، في مساهمة منهما لمساعدة الشاب والشابة
وأسرهما في فهم أبعاد شخصيتهما في عهدها الجديد، وإدراك حقيقة
التكليف وأنه صار مستعداً لتحمل الأمانة التي عجزت عن حملها السموات
والأرض، قال تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ
يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ
إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ
الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ
وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)، الأحزاب: 71
ـ 73.
فالأمانة تشير بوضوح الى «شيء يودع
عند الغير ليحتفظ عليه ثم يرده إلى من أودعه، فهذه الأمانة المذكورة
في الآية شيء ائتمن الله الإِنسان عليه ليحفظ على سلامته واستقامته
ثم يرده إليه سبحانه كما أودعه.
ويستفاد من قوله: (ليعذب الله
المنافقين والمنافقات) الخ، أنه أمر يترتب على حمله النفاق والشرك
والإِيمان، فينقسم حاملوه باختلاف كيفية حملها إلى منافق ومشرك
ومؤمن». تفسير الميزان، تفسير سورة الأحزاب، ص70.
ثم يقول: «فالمراد بالأمانة
الولاية الإِلهية وبعرضها على هذه الأشياء اعتبارها مقيسة إليها
والمراد بحملها والإِباء عنه وجود استعدادها وصلاحية التلبس بها
وعدمه، وهذا المعنى هو القابل لأن ينطبق على الآية فالسماوات والأرض
والجبال على ما فيها من العظمة والشدة والقوة فاقدة لاستعداد حصولها
فيها وهو المراد بإبائهن عن حملها وإشفاقهن منها». المصدر
نفسه.