رجوع
كيف نعود إلى الله دون شعور بالذنب القاتل؟

كيف نعود إلى الله دون شعور بالذنب القاتل؟

الشيخ مصطفى الهجري كثيرٌ من الشباب لا يبتعدون عن الله لأنهم لا يريدونه، بل لأنهم يظنون أنهم لم يعودوا يستحقونه. يخطئون… ثم يثقلهم الذنب، ثم يتحول الذنب إلى شعور خانق بالعار واليأس، فيبتعدون أكثر، لا عن المعصية فقط، بل عن الصلاة، عن الدعاء، عن الرجوع. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.   الدين لم يُشرّع ليح...


الشيخ مصطفى الهجري

كثيرٌ من الشباب لا يبتعدون عن الله لأنهم لا يريدونه، بل لأنهم يظنون أنهم لم يعودوا يستحقونه.

يخطئون ثم يثقلهم الذنب، ثم يتحول الذنب إلى شعور خانق بالعار واليأس، فيبتعدون أكثر، لا عن المعصية فقط، بل عن الصلاة، عن الدعاء، عن الرجوع. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

 

الدين لم يُشرّع ليحطم الإنسان، ولا ليجعله يعيش سجين ماضيه، بل ليأخذ بيده من السقوط إلى النهوض، ومن الانكسار إلى التوبة.

 

ليس كل شعور بالذنب مذموماً، فالندم علامة حياة القلب، لكن الخطر كل الخطر حين يتحول الذنب من دافع للعودة إلى حاجز يمنع الرجوع.

حين يقنع الشيطان الإنسان أن الله لن يقبله، وأن التوبة ليست له، وأنه فاسد إلى الأبد.

 

والقرآن يقطع هذا الوهم من جذوره: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ (الزمر: 53)

 

لم يقل: يا عبادي الصالحين، بل قال: الذين أسرفوا.

أي أولئك الذين تجاوزوا، أخطأوا، وأفرطوا هؤلاء تحديدًا دعاهم الله، لا ليوبخهم، بل ليمنعهم من القنوط.

 

كثيرون يخلطون بين التوبة واحتقار النفس.

يظنون أن عليهم أن يبقوا في شعور دائم بالذنب ليكونوا صادقين، بينما أهل البيت عليهم السلام علّمونا أن التوبة فعل إصلاح لا حالة تحطيم.

 

قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: «لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار» (الكافي: ج2، ص288)

 

التوبة ليست أن تقول: أنا سيئ ولن أصلح،

بل أن تقول: أخطأت، وسأبدأ من جديد.

 

وقال الإمام الباقر عليه السلام: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (وسائل الشيعة: ج16، ص76)

 

ليس كمن خفّ ذنبه، ولا كمن غُفِر له مع بقاء الأثر، بل كمن لا ذنب له.

هذه ليست لغة بشر، هذه لغة إله فتح باب العودة على مصراعيه.

 

لماذا نشعر بالذنب القاتل؟

 

لأننا أحيانًا ننسى حقيقة مهمة: الله لم يفتح باب التوبة لأننا أقوياء، بل لأنه يعلم أننا نضعف.

لم يشرّع الاستغفار لأننا لا نخطئ، بل لأن الخطأ جزء من طبيعتنا.

 

قال الإمام علي عليه السلام: « من ندم فقد تاب، من تاب فقد أناب » (مستدرك الوسائل: ١٢ / ١١٨ / ١٣٦٧٤.)

 

أي أن أول خطوة في العلاج ليست الهروب ولا الإنكار، بل الاعتراف الهادئ، دون تضخيم، دون قسوة، ودون يأس.

 

أخطر ما في الذنب أنه يقطع الطريق

 

المعصية قد تُغفر، لكن اليأس يقطع الطريق إلى الله.

ولهذا حذّر القرآن بشدة من اليأس: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف: 87)

 

ليس معنى الآية أن كل يائس كافر، بل أن اليأس من صفات طريق الكفر، لأنه سوء ظن بالله، وجهل برحمته.

 

كيف نعود إلى الله دون أن نحطم أنفسنا؟

 

العودة إلى الله لا تحتاج إلى بطولة خارقة، بل إلى صدق وبداية:

 

ـ اعترف بالذنب دون تضخيم

ـ لا تُبرره، ولا تجعله هويتك.

 

ـ اقطع الإصرار لا الأمل، فالسقوط المتكرر لا يلغي التوبة.

 

ـ استغفر بقلبك لا بلسانك فقط

 

ـ ابدأ بخطوة صغيرة ثابتة: صلاة، دعاء، عمل صالح.

 

ـ أحسن الظن بالله أكثر من ظنك بنفسك ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ (الشورى: 25)

 

الله لا يريدك محطمًا بل عائدًا

 

الله لا يفرح بانكسارك، بل بعودتك.

لا يريدك أن تعيش أسير الذنب، بل أن تجعله محطة تعلّم ونضج.

 

التوبة ليست إذلالًا، بل كرامة.

وليست نهاية الطريق، بل بدايته.

 

ومن فهم هذا، عاد إلى الله بقلب حي، لا بروح مكسورة.

والله الهادي إلى سواء السبيل.

مشاركة: