الشيخ معتصم السيد أحمد
م تكن حياة الإنسان في أي مرحلة من التاريخ طريقاً مستوياً بلا منعطفات، لكن ما يميز زمننا ليس كثرة الضغوط بقدر ما يميزّه شكل الوعي الذي نستقبل به هذه الضغوط. فالمشكلة اليوم لا تكمن في وجود التحديات ذاتها، بل في الطريقة التي صرنا نفسرها بها. نحن نعيش في عصر تتضخم فيه التوقعات، وتتسارع فيه الإيقاعات، وتتزاحم فيه الصور المثالية للحياة، حتى أصبح أي خلل بسيط يبدو وكأنه انهيار كامل.
لم تعد المسألة أن الحياة صعبة، فالصعوبة جزء ثابت من التجربة الإنسانية، وإنما المسألة أن ثقافة العصر أقنعت الإنسان بأن الحياة يجب أن تكون سلسة دائماً، وأن الاستقرار هو القاعدة، وأن التعثر استثناء غير مقبول. وهنا يتشكل الخلل الحقيقي؛ لأن الإنسان لا يتألم من الحدث وحده، بل من تفسيره للحدث. حين يفهم التحدي على أنه علامة فشل شخصي، يتحول الضغط إلى أزمة هوية. وحين يُقاس النجاح بصورة مثالية مستمرة، يصبح أي انقطاع عنها سبباً للقلق.
فالثقافة الحديثة – عبر الإعلام، والإعلانات، ومنصات التواصل – صنعت صورة مثالية للحياة: نجاح متواصل، جسد معافى، دخل متصاعد، علاقات مستقرة، حضور اجتماعي لامع. هذه الصورة لم تُعرض باعتبارها احتمالاً، بل باعتبارها القاعدة. ومن هنا بدأ الخلل؛ لأن كل خروج عن هذه الصورة يُقرأ كفشل شخصي، لا كجزء طبيعي من مسار الحياة.
في هذا المناخ، يصبح العسر فضيحة نفسية. المرض يُقرأ كهزيمة، التعثر المالي كوصمة، الاضطراب الأسري كعار، الحيرة الوجودية كضعف. وهنا ينشأ القلق الحديث: ليس لأن الشدائد كثرت، بل لأن القدرة على استيعابها تراجعت.
الرؤية القرآنية للحياة تقف على الضد من هذا التصور المثالي. الحياة في منطقها ليست سلسلة من النجاحات، بل نسيج مركّب من الشدة والرخاء، من القبض والبسط، من الألم والمعنى. حين يقول تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ فهو لا يعد بحياة بلا أزمات، بل يعيد تعريف الأزمة نفسها.
الثقافة الحديثة تقول: العسر مرحلة يجب التخلص منها سريعاً.
أما المنطق القرآني فيقول: العسر ليس فراغاً عديم القيمة، بل مساحة وفرصة لإعادة التشكّل.
إنسان العصر يعيش تحت ضغط الإنجاز الدائم. يُقاس بقائمة مهامه، بعدد متابعيه، بإنجازاته المهنية، بقدرته على المنافسة. هذا القياس المستمر يخلق هشاشة داخلية؛ لأن الهوية تصبح معلقة بنتائج خارجية. فإذا تعثرت النتائج، اهتزت الهوية.
وهنا يظهر أحد أعمق إشكالات الحياة العصرية: تضخم التوقعات مقابل ضمور التحمل. نريد حياة مثالية، لكننا لم نتعلم كيف نعيش النقص. نريد نجاحاً مستمراً، لكننا لم نتدرب على إدارة الفشل. نطلب الراحة، لكننا لم نبنِ عضلة الصبر.
في هذا المناخ المشبع بضغط الإنجاز وصناعة الصورة، تحوّلت حتى الإيجابية إلى منتج سريع الاستهلاك. يكفي أن تُقال لك عبارات محفوظة: “فكّر بإيجابية”، “ركّز على ما تريد لا على ما تخاف”، “لا تمنح السلبية مساحة في عقلك”. تبدو هذه النصائح جذابة لأنها بسيطة وسهلة التداول، لكنها في الغالب تختزل التجربة الإنسانية في وصفة لغوية، لا في معالجة عميقة.
ثقافة التنمية البشرية السائدة – مع ما فيها من جوانب نافعة – كثيراً ما تتعامل مع الألم بوصفه خطأ في طريقة التفكير فقط، وكأن المشكلة تنتهي بمجرد إعادة صياغة الجملة الداخلية. هي تدعوك إلى تغيير الكلمات، لكنها لا تعلّمك كيف تفهم الحدث نفسه، ولا كيف تضعه داخل سياق أوسع من المعنى. فتتحول الإيجابية إلى عملية تجميل نفسي، لا إلى بناء داخلي متين.
هذه الإيجابية الهشة تقوم على التجاهل أكثر مما تقوم على الاستيعاب. تطلب منك أن تقفز فوق القلق قبل أن تفهم جذره، وأن تبتسم قبل أن تطرح السؤال الصعب، وأن تعلن الامتنان قبل أن تعيد قراءة التجربة. والنتيجة أن المشاعر المكبوتة لا تختفي، بل تتراكم تحت السطح، لتعود لاحقاً في صورة احتراق نفسي أو انهيار مفاجئ.
أما الرؤية القرآنية فلا تبني الإيجابية على إنكار الواقع، بل على إدراك سننه. لا تقول لك: تجاهل الشدة، بل تقول لك: افهمها في إطارها الكلي. لا تطلب منك أن تتصنع الطمأنينة، بل أن تبنيها على وعي عميق بطبيعة الحياة. هنا الفارق الجوهري؛ فالإيجابية في الثقافة القرآنية ليست تمريناً ذهنياً سريعاً، بل ثمرة رؤية وجودية تعتبر التحدي جزءاً من التكوين، لا خللاً طارئاً يجب محوه بالكلمات.
حين نعيد قراءة الأزمات بوصفها لحظات كشف، تتغير علاقتنا بها. كثير من الانهيارات النفسية في العصر الحديث سببها فقدان المعنى، لا حجم المشكلة. الإنسان إذا فقد تفسيراً مقنعاً لما يحدث له، يتضاعف ألمه. أما إذا رأى في الحدث مساراً لإعادة التشكيل، خفّ حمله.
لنأخذ مثالاً معاصراً: فقدان الوظيفة. في الثقافة الاستهلاكية يُقرأ ذلك كانتكاسة قاسية، وربما تهديد للكرامة. لكن في قراءة أعمق، قد يكون لحظة تحرر من مسار لم يكن يعبّر عن الذات، أو فرصة لإعادة توجيه الحياة المهنية، أو دافعاً لاكتشاف مهارات لم تُستخدم من قبل. العسر هنا لم يكن مجرد خسارة، بل منعطف.
وكذلك الأزمات الصحية. في زمن تُقدّس فيه الصورة الجسدية، يصبح المرض صدمة نفسية مضاعفة. لكن كم من إنسان أعاد ترتيب حياته، وراجع أولوياته، وتعمق وعيه بذاته، بسبب تجربة مرضية؟ الوعي الذي يتشكل في هذه اللحظات ليس حدثاً عابراً، بل تحوّل وجودي.
الثقافة الحديثة تُعلّمنا أن القيمة في السرعة، في التراكم، في الامتلاك. أما الرؤية القرآنية فتلفتنا إلى قيمة أخرى: التزكية. النمو الداخلي، لا مجرد التوسع الخارجي. وإذا كان التوسع يحتاج إلى رخاء، فإن التزكية غالباً ما تتشكل في الشدة.
وهنا نفهم لماذا ينهار البعض في الأزمات بينما ينضج آخرون. ليس الفرق في حجم العسر، بل في زاوية النظر إليه. من يرى الأزمة كحكم نهائي على حياته سيغرق في جلد الذات. ومن يراها مرحلة ضمن مسار أوسع سيبحث عن معناها.
إيجابية الوعي ليست ابتسامة قسرية، بل شجاعة في إعادة التأويل. إنها القدرة على أن تسأل: ماذا يمكن أن أتعلم هنا؟ ما الوهم الذي يسقط؟ ما الأولوية التي تتضح؟ ما التعلق الذي يتكشف؟ هذه الأسئلة تحوّل العسر من جدار مغلق إلى باب محتمل.
في عالم المقارنات الرقمية، حيث يرى الإنسان يومياً صوراً منتقاة لحياة الآخرين، تتضخم مشاعر النقص. لكن هذه المقارنات تخفي حقيقة جوهرية: كل إنسان يحمل عسره الخاص، وإن اختلفت صوره. حين ندرك أن الشدة ليست استثناءً شخصياً بل قانوناً إنسانياً عاماً، يتراجع الشعور بالعزلة.
إن أخطر ما أنتجته ثقافة العصر هو وهم الحياة السلسة. هذا الوهم هو الذي يجعل أول عثرة تبدو كارثة. أما إذا أدرك الإنسان أن الحياة بطبيعتها مختلطة، وأن العسر ليس خللاً في النظام بل جزءاً منه، فإنه يبني مناعة نفسية مختلفة.
الرؤية القرآنية لا تقدم وعداً بزوال كل ألم، لكنها تمنح الإنسان إطاراً تفسيرياً يمنع الانهيار أمام الألم. إنها تقول له: لا تقرأ اللحظة بمعزل عن المسار، ولا تقرأ الشدة بمعزل عن إمكان النمو.
وهنا يتشكل مفهوم إيجابية الوعي: أن ترى ما وراء الحدث، وأن تدرك أن القيمة ليست في خلو الحياة من التحديات، بل في طريقة استجابتك لها. أن تعي أن بعض الأبواب لا تُفتح إلا بعد أن تُغلق أبواب أخرى، وأن بعض المعاني لا تتكشف إلا حين تتصدع الصور القديمة.
في زمن تتسارع فيه الضغوط، يحتاج الإنسان إلى هذا العمق أكثر من حاجته إلى عبارات تحفيزية عابرة. يحتاج إلى فلسفة حياة تُعيد له توازنه، وتحرره من وهم الكمال الدائم، وتمنحه القدرة على تحويل الشدة إلى طاقة بناء.
إن إيجابية الوعي ليست هروباً من الواقع، بل مواجهة أعمق له. ليست تزييناً للعسر، بل اكتشافاً لما يتشكل داخله. وحين يتبنى الإنسان هذا المنظور، لا يعود أسير الأحداث، بل يصبح شريكاً في إعادة صياغة معناها.
وهنا فقط تتحول الشدة من تهديد إلى إمكانية، ومن نهاية إلى بداية.