بين من يحمل اسم الإيمان ومن يحمل روحه — سؤال يسكن قلب كل مسلم ولا يجد له جواباً
الشيخ مقداد الربيعي
يصلّون في نفس المسجد، ويقرؤون نفس القرآن، ويصومون نفس الشهر... ومع ذلك بينهم فرق كالفرق بين السماء والأرض. هذه ليست مبالغة، بل هي الحقيقة التي طرحها القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرناً في آية تهزّ القلب هزاً: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ الحجرات: 14.
هؤلاء لم يكونوا كفاراً؛ كانوا يقولون "آمنا" ويظنون أنهم صادقون. لكن الله رأى ما لم يروه هم: أن الإيمان لم يدخل قلوبهم بعد. فكم منا اليوم في الموقف ذاته؟
حين يصبح الدين زياً لا روحاً
نعيش في زمن أصبح فيه التدين سهلاً من الخارج، وصعباً من الداخل. يمكنك اليوم أن تبني هويتك الدينية كاملةً بلباسك وبلغتك ومظهرك، دون أن يتغير شيء واحد في داخلك. دون أن تتغير علاقتك بربك، ولا معاملتك مع أهلك، ولا أمانتك في عملك، ولا نظرتك إلى الضعيف والمحتاج.
الدين أصبح قناعاً جميلاً يرتديه الإنسان في الشارع، ثم يخلعه حين يدخل بيته. والقرآن حذّر من هذا بأشد العبارات: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ الصف: 2 ـ 3.
توقف عند كلمة "مقتاً". الله لم يقل: هذا خطأ، ولم يقل: هذا ذنب. قال: مقت. وهو أشد أنواع الغضب وأعمقه. فهل فكّرت يوماً أن تديّنك الشكلي قد يكون مصدر مقت الله لا رضاه؟
خمس مرايا تكشفك لنفسك
هذه المرايا الخمس لا تكذب. انظر فيها بصدق — ولا تكسرها إن لم يعجبك ما ترى:
المرآة الأولى: ماذا تفعل بك صلاتك؟
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾
لم يقل: قد تنهى. لم يقل: ربما تنهى. قال بقطع: "تنهى". فإذا كانت صلاتك منذ سنوات ولم تتغير أخلاقك ولا معاملتك ولا أمانتك... فاسأل نفسك السؤال الصعب: أين تذهب صلاتك؟ الصلاة يجب أن تُقلقك قبل أن تريحك. من لا تُقلقه صلاته، فالأرجح أنها لم تدخل قلبه بعد.
المرآة الثانية: من تكون حين لا يراك أحد؟
هذا هو السؤال الذي يكشف كل شيء. أنت في رمضان متدين. أنت أمام الناس متدين. لكن من أنت في يوم عادي وأنت وحدك في غرفتك؟ التدين الحقيقي هو ما تكون عليه في اليوم الذي لا يعرف فيه أحد اسمك.
المرآة الثالثة: لمن تتدين؟
أحياناً نكون متدينين أمام الناس، وغير متدينين أمام الله. حين يتغير سلوكك بحسب من يراك فهذه هي العلامة. الله قال عن المنافقين: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾. النساء: 142، كثيرٌ منا يذكر الله كثيراً بلسانه، وقليلاً بقلبه، ونادراً جداً بسلوكه.
المرآة الرابعة: كيف تعامل من هو أضعف منك؟
لا تنظر إلى كم يصلي الإنسان، انظر إلى كيف يتكلم مع زوجته حين يغضب، وكيف يعامل أولاده حين يخطئون، وكيف يتصرف مع الخادم والعامل. هناك يظهر الإيمان الحقيقي أو غيابه. الله لم يقل لنبيه: إنك لعلى عبادة عظيمة. قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ القلم: 4. لأن الخُلُق هو الميزان الذي لا يكذب.
المرآة الخامسة: هل تحاسب نفسك أم تحكم على غيرك؟
كلما ازداد انشغال الإنسان بعيوب الآخرين، كان ذلك دليلاً على فراغه الداخلي. من يعيش الدين حقاً يكون مشغولاً بمحاسبة نفسه لا بالحكم على سواه. الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ المائدة: 105. عليكم أنفسكم — ليس أنفس الآخرين.
كيف وقعنا في هذا الفخ؟
لا أحد يختار التدين الشكلي بوعي. لكنه يقع فيه ببطء وبهدوء دون أن يشعر. وللوقوع في هذا الفخ أسباب ثلاثة رئيسية:
أولاً: الدين الموروث الذي لم نختره
كثيرون ورثوا الدين من آبائهم كما يرثون اسمهم. ولدوا في بيت متدين فأصبحوا متدينين، لكنهم لم يختاروا الله يوماً باختيار حقيقي واعٍ. والدين الموروث بلا اختيار شخصي هو دين هشٌّ لا يصمد أمام أول اختبار حقيقي. القرآن وصف هذا الموقف بالخطأ حين حكاه عن أقوام قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ الزخرف: 22.
ثانياً: الخوف من المجتمع لا من الله
لو انتقلت غداً إلى مدينة جديدة لا يعرفك فيها أحد، هل ستتغير عباداتك؟ إذا كانت الإجابة نعم، فأنت تعبد مجتمعك لا الله.
خشية الناس تصنع التدين الشكلي. خشية الله تصنع التدين الحقيقي. ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ المائدة: 44.
ثالثاً: الغرور الديني — أخطر الأمراض
الغرور الديني هو أن يظن الإنسان أنه وصل، وأنه أفضل من غيره، وأنه أمَّن حسابه مع الله وانتهى. وهذا الغرور خطير لأن صاحبه يظن أنه يتقرب إلى الله بينما هو في الحقيقة يبتعد عنه. حين يظن الإنسان أنه وصل، يكون قد توقف. والتوقف في الطريق إلى الله هو بداية الرجوع.
﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الأعراف: 99.
انظر إلى أهل البيت عليهم السلام: أعبد الناس وأعلمهم وأقربهم إلى الله — ومع ذلك كانت دموعهم لا تنقطع خشيةً من الله. لأنهم كانوا يعرفون حقيقة ما بينهم وبينه.
ثلاث خطوات للخروج
الخروج من التدين الشكلي ليس مستحيلاً. لكنه يحتاج شيئاً واحداً فقط: الصدق مع النفس.
الخطوة الأولى: المحاسبة اليومية
كل ليلة قبل النوم، اجلس مع نفسك خمس دقائق فقط، واسأل بصدق تام: "هل كنت اليوم أقرب إلى الله أم أبعد؟" هذا السؤال وحده إذا سألته كل ليلة بصدق حقيقي، سيغيّر حياتك في سنة واحدة تغييراً لا تتصوره.
الخطوة الثانية: اختبر دينك في مواقف التكلفة
الدين الذي لا يُكلّفك شيئاً لا يساوي شيئاً. ابحث في حياتك عن المكان الذي يطلب منك الدين أن تتنازل فيه عن مصلحتك، أن تقول الحق وإن أضرّك، أن تؤدي الأمانة وإن خسرت. هناك فقط تعرف إن كان الإيمان قد دخل قلبك أم لا. ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ العنكبوت: 2.
الخطوة الثالثة: أعد اختيار دينك كل يوم
لا تكتفِ بأنك وُلدت مسلماً. أعد اختيار الله كل يوم. قل له من قلبك: "أنا أختارك. أنا أريدك. أنا أحتاجك. لا لأن الناس يرونني، بل لأنك أنت الله ولا إله سواك." هذا الاختيار اليومي الواعي هو ما يحوّل الدين من عادة إلى حياة، ومن طقس إلى روح.
الله يراك الآن. يرى قلبك. يرى المسافة بين ما تُظهر وما تُخفي. فماذا يرى؟
يرى إنساناً يعيش الدين بصدق؟ أم إنساناً يؤدي الدين بعادة؟ لا أحد غيرك يعرف الجواب. ولا أحد غير الله سيحاسبك عليه.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ الرعد: 11.
التغيير ممكن. الباب مفتوح. والله يحب من يعود إليه. لكن الخطوة الأولى لا يخطوها أحد غيرك.
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ العنكبوت: 69.