الشيخ مقداد الربيعي
في كل عام، حين يُسدل رمضان ستاره الأخير، ويقف الناس على عتبة العيد، تختلط المشاعر اختلاطاً عجيباً لا يشبهه شيء آخر في السنة كلها. فرح يطرق الباب من جهة، وشيء آخر يشبه الحزن يطرق من جهة أخرى. وبين هذين الطارقين يقف الإنسان، ربما لأول مرة في العام، أمام سؤال حقيقي يستحق الوقوف عنده طويلاً: هل ودّعتُ رمضان... أم أنه هو الذي ودّعني؟
رمضان سؤال لا إجابة
كان بعضهم، في مثل هذه الليلة من كل عام، يقف تحت السماء ودموعه تسبق كلامه، ثم يقول بصوت يهز القلب قبل الأذن: يا رمضان، أتشهد لي أم علي؟
هذا الكلام ليس مجرد عبارة جميلة تُقال في ليالي الوداع. هو السؤال الأعمق والأصدق الذي يمكن أن يطرحه إنسان على نفسه في نهاية هذا الشهر الكريم.
لأن السؤال السهل هو: هل صمت؟ هل صليت؟ هل قرأت القرآن؟
والجواب على هذه الأسئلة في الغالب: نعم.
لكن السؤال الصعب، السؤال الذي لا يُجاب عنه بسرعة، هو:
هل رمضان سيشهد لك عند الله؟
أم أنه سيقف يوم القيامة شاهداً عليك؟
الله سبحانه وتعالى حين تكلم عن رمضان لم يكتفِ بذكر الصيام، بل ذكر الغاية من ورائه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ البقرة: 183.
لعلكم تتقون.
ليس لعلكم تجوعون. وليس لعلكم تتعبون. بل لعلكم تتقون. والتقوى ليست كلمة تُرفع في الخطب، بل هي حاجز حقيقي يقف بينك وبين المعصية، وشعور حقيقي بأن الله يراك فتتغير.
فهل تغيّرت؟
رمضان مرآة... فماذا رأيت فيها؟
رمضان ليس شهر عبادة فحسب. رمضان مرآة كبيرة صافية يضعها الله أمام الإنسان مرة واحدة في السنة، ليرى فيها حقيقة ما في نفسه.
في رمضان يخف ضغط الدنيا، وتخف وساوس الشيطان لأنه مصفود، وتصبح النفس في أنقى أحوالها وأكثر استعدادها للصدق مع نفسها.
فمن رأيت في هذه المرآة؟
هل رأيت إنساناً يتوق إلى الله، أم إنساناً ينتظر الإفطار؟
هل رأيت إنساناً يبكي في ساعات السحر، أم إنساناً ينام السحر كله؟
هل رأيت إنساناً تحسّنت معاملته مع أهله وجيرانه، أم إنساناً يتذرع بالجوع ليبرر سوء خلقه؟
الله قال عن رمضان إنه شهر الفرقان:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ البقرة: 185.
فرقان يعني تمييزاً وفصلاً حقيقياً. يعني أن رمضان يجب أن يترك فيك خطاً فاصلاً واضحاً بين ما كنت عليه قبله وما أصبحت عليه بعده.
فإذا خرجت من رمضان كما دخلته، بنفس الأخلاق، ونفس العلاقة مع الله، ونفس السلوك مع الناس، فهذه وحدها مصيبة تستحق أن يقف عندها الإنسان بجدية تامة.
دموع الوداع... بكاء محبة أم بكاء ندم؟
ظاهرة تتكرر كل عام في ليلة الوداع هذه: كثيرون يبكون على رحيل رمضان، وتمتلئ المساجد بالدموع والأدعية. وهذا جميل في ظاهره. لكن السؤال الأعمق هو: لماذا تبكي؟
ثمة فرق جوهري بين نوعين من الدموع في هذه الليلة:
دموع المحبة: وهي دموع من أحب رمضان حقاً، لأن روحه وجدت فيه ما لا تجده في بقية الشهور، ولأن قلبه كان أقرب إلى الله فيحزن على هذا القرب أن يبتعد.
دموع الندم: وهي دموع من يشعر أنه أضاع فرصة لن تعود، وأن الأيام مضت ولم يأخذ منها ما كان يستطيع.
وكلا النوعين جيد، لكن دموع الندم لا قيمة لها إذا لم تتبعها خطوة حقيقية نحو التغيير. الله قال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾. الزمر: 54. الإنابة ليست دموعاً تسيل ثم تجف. الإنابة هي العودة الحقيقية بالقلب والسلوك والاختيار اليومي.
فإذا كنت تبكي الليلة، فاجعل دموعك عهداً لا مجرد شعور. اجعلها بداية طريق لا نهاية جلسة. لأن الدموع التي لا تُترجَم إلى قرار لا تغير شيئاً.
الخطر الحقيقي ليس قبل رمضان بل بعده
هنا تكمن حقيقة يغفل عنها كثيرون: أخطر لحظة في حياة الصائم ليست قبل رمضان. بل بعده.
قبل رمضان، الإنسان يعرف أنه مقصّر، ويعرف أن بينه وبين الله مسافة، وهذا الإحساس بحد ذاته يحفظه من الغرور ويدفعه نحو التغيير.
لكن بعد رمضان، يأتي الشيطان وقد انفكّت قيوده وهو جائع متعطش للانتقام، فيهمس في أذن الإنسان بكلام ناعم خبيث: "لقد صمت وصليت وقرأت وتصدقت. أنت الآن بخير. استرح قليلاً." وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية.
الله حذّر من هذا بصورة بالغة الدقة: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ النحل: 92. هذه المرأة نسجت بجهد وتعب وصبر، ثم نقضت ما نسجته بيدها.
أليس هذا بالضبط ما يفعله كثيرون بعد رمضان؟ يبنون في رمضان ثلاثين يوماً، ثم ينقضون ما بنوه في ثلاثة أيام. يقتربون من الله شهراً كاملاً، ثم يبتعدون عنه في أسبوع واحد.
ولهذا كان الصالحون يدعون الله بعد رمضان بدعاء خاص لا ينسونه: "اللهم لا تجعل رمضان آخر عهدنا بالطاعة." لأنهم كانوا يعرفون أن الخطر الحقيقي ليس في رمضان، بل فيما بعده.
العيد ليس جائزة... بل أول اختبار
الناس يفهمون العيد على أنه جائزة على إتمام الصيام. وكأن الصيام انتهى وجاء وقت الاسترخاء والحرية. لكن هذا الفهم مقلوب من أساسه.
العيد ليس نهاية الطريق. العيد هو أول اختبار حقيقي ما بعد رمضان. الاختبار الذي يقول لك بوضوح: هل رمضان غيّرك فعلاً؟ أم أنك كنت متديناً لأن الجو العام من حولك كان رمضانياً؟
في العيد ستأتي المواقف الحقيقية. ستأتي الشاشة التي ابتعدت عنها في رمضان، فهل ستبتعد عنها الآن؟ ستأتي الأخلاق التي حسّنتها في رمضان، فهل ستستمر عليها؟ ستأتي العلاقة مع الله التي عمّقتها في رمضان، فهل ستحافظ عليها؟
الله قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ فصلت: 30، ثم استقاموا.
الإيمان بالله سهل. قولها باللسان سهل. لكن الاستقامة بعد رمضان، في الأيام العادية، حين لا يكون الجو رمضانياً ولا الناس من حولك كلهم صائمين، هذه هي الاستقامة الحقيقية. وهذه هي الجائزة الحقيقية للعيد.
كيف تحمل رمضان معك طوال العام؟
بعد كل هذا، ثمة سؤال عملي لا بد منه: ماذا نفعل؟ كيف نحمل رمضان في قلوبنا بعد أن يغادر تقويمنا؟
أولاً: احفظ شيئاً واحداً.
لا أحد يطلب منك أن تبقى في أجواء رمضان طوال العام. لكن اختر شيئاً واحداً تغيّر فيك هذا الرمضان واحفظه. ركعتان في الليل كنت تصليهما، احتفظ بهما. ذكر كنت تداوم عليه، لا تتركه. معاملة مع أهلك تحسّنت، لا تعد إلى ما قبلها. شيء واحد فقط، لأن الله قال: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾ المزمل: 20.
ثانياً: اجعل يوم العيد يوم عهد.
غداً حين تلبس ثوب العيد، قبل أن تخرج من بيتك، قف دقيقة واحدة مع نفسك وقل: يا الله، أشهدك على عهد، عهد أن لا أترك ما اكتسبته في رمضان يضيع. دقيقة واحدة وعهد واحد، لكنه قد يغير مسار سنة كاملة.
ثالثاً: تذكر أن الله لا يتغير بتغير الشهور.
نحن نتغير بتغير رمضان، لكن الله لا يتغير. هو في شعبان كما هو في رمضان. يسمع في شوال كما يسمع في رمضان. ويقبل في ذي الحجة كما يقبل في رمضان. الله قال: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ البقرة: 186، المسافة بينك وبين الله ليست في الشهر. المسافة في قلبك أنت.
الوداع الأخير
رمضان يودّعنا الليلة.
ولو كان بمقدورنا أن نسأله: ماذا تريد أن تقول لنا قبل أن ترحل؟ لعله كان سيقول:
أتيتك وأنا أحمل لك رحمة ربك، فهل أخذت منها ما يكفيك؟
فتحت لك أبواب السماء كل ليلة، فهل طرقتها؟
جلست معك ثلاثين يوماً كاملة، فهل تغيّرت؟
والله سبحانه ختم آيات رمضان بكلام يستحق أن يكون آخر ما نقوله في هذه الليلة: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ البقرة: 185.
فلتكن تكبيرة العيد غداً تكبيرة تخرج من القلب قبل اللسان.
ولتكن فرحة العيد فرحة من يعرف أنه لا يزال في الطريق،
لا فرحة من يظن أنه وصل.
تقبّل الله منا ومنكم. وكل عام وأنتم إلى الله أقرب.