رجوع
رمضانيات .. ليلة القدر.. على من تنزل الملائكة والروح؟

رمضانيات .. ليلة القدر.. على من تنزل الملائكة والروح؟



الشيخ مقداد الربيعي


من الحقائق الراسخة في عقيدة أهل البيت عليهم السلام أن نزول الملائكة والروح في ليلة القدر لم يكن حادثةً تاريخية انقضت بانقضاء عصر النبوة، بل هو سنة إلهية جارية في كل عام، تتنزل فيها الملائكة على إمام كل زمان؛ فعلى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في زمانه، ثم على الأئمة من بعده عليهم السلام واحداً بعد واحد. ويشهد لهذه الحقيقة ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: «إِنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَإِنَّهُ يَنْزِلُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَمْرُ السَّنَةِ، وَإِنَّ لِذَلِكَ الأَمْرِ وُلاةً بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله، فقلتُ: مَنْ هُمْ؟ فَقَالَ: أَنَا وَأَحَدَ عَشَرَ مِنْ صُلْبِي، أَئِمَّةٌ مُحَدَّثُونَ».

ويُعضد هذا المعنى صريح سورة القدر، إذ يقول تعالى: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ)، وقد جاء الفعل «تَنَزَّلُ» بصيغة المضارع الدالة على الاستمرار والتجدد، مما يُكشف أن هذا النزول ليس حدثاً انتهى بانتهاء زمانه، بل هو حقيقة متجددة في كل ليلة قدر إلى يوم القيامة.


غير أن ثمة سؤالاً جوهرياً يطرح نفسه بإلحاح: ما السر وراء اختصاص الإمام المعصوم بهذا النزول؟ ولماذا تتنزل الملائكة عليه تحديداً دون سواه؟ والإجابة عن هذا السؤال تستدعي الوقوف عند بعض مقامات أهل البيت عليهم السلام كما كشفت عنها الآيات الكريمة والروايات الشريفة.


الأسماء التي عجزت الملائكة عن إدراكها


يرسم القرآن الكريم في آيات خلق الإنسان مشهداً كونياً عظيماً يحمل في طياته مفتاح الإجابة عن هذا السؤال. يقول تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ).


وفي هذا المشهد القرآني الرهيب يتجلى أن الحجة التي احتج بها الله تعالى على اختياره آدم للخلافة هي قدرته على استيعاب الأسماء ومعرفتها، تلك الأسماء التي عجزت الملائكة عن إدراكها رغم ما لها من مقام التسبيح والتقديس. فما هذه الأسماء؟


ومن التأمل في قوله تعالى: (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يتضح أن هذه الأسماء موجودات محجوبة بستار الغيب لا يعلمها إلا الله سبحانه، ثم أفاض معرفتها على آدم عليه السلام. فضلاً عن ذلك، فإن القرآن يصفها بضمير العاقل في قوله: (ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ) و (أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ)، مما يكشف أنها موجودات عاقلة لا مجرد أشياء جامدة. وقد أشار العلامة الطباطبائي (ره) إلى هذا المعنى بقوله: «وقوله تعالى: وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم، مشعر بأن هذه الأسماء أو أن مسمياتها كانوا موجودات أحياء عقلاء، محجوبين تحت حجاب الغيب».


الأسماء في ضوء الروايات الشريفة


وتأتي الروايات المفسِّرة لتكشف بجلاء عن حقيقة هذه الأسماء، ففي معاني الأخبار عن الإمام الصادق عليه السلام: «إِنَّ الله عز وجل علّم آدم أسماء حججه كلها ثم عرضهم وهم أرواح على الملائكة فقال: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بأنكم أحق بالخلافة في الأرض لتسبيحكم وتقديسكم من آدم، فقالوا: سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. قال الله تبارك وتعالى: يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ، فلما أنبأهم بأسمائهم وقفوا على عظيم منزلتهم عند الله عز ذكره، فعلموا أنهم أحق بأن يكونوا خلفاء الله في أرضه وحججه على بريَّته، ثم غيَّبهم عن أبصارهم واستعبدهم بولايتهم ومحبَّتهم».


وإلى جانب هذه الرواية، وردت روايات أخرى تُعرِّف الأسماء بما يبدو في ظاهره مختلفاً، إذ تذكر أن الله علّم آدم أسماء الأرضين والجبال والأودية والنبات وسائر المخلوقات. فقد سأل أبو العباس الإمامَ الصادق عليه السلام عن قوله تعالى: «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا»، فقال عليه السلام: «الأرضين والجبال والشعاب والأودية»، ثم نظر إلى البساط تحته وقال: «وهذا البساط مما علمه». وفي رواية أخرى في التفسير ذاته عن الفضيل بن العباس عن الإمام الصادق عليه السلام في السؤال نفسه، فقال: «أسماء الأودية والنبات والشجر والجبال من الأرض».


وقد يبدو للوهلة الأولى أن ثمة تعارضاً بين هذين النوعين من الروايات، غير أن التأمل في قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) يرفع هذا التعارض ويُحل الإشكال؛ فكل شيء في الوجود المادي المحدود إنما هو انعكاس لحقيقة غيبية أسمى وأرفع موجودة في خزائن الله تعالى، وأهل البيت عليهم السلام هم أسماء الله الحسنى وحججه في خزائن الغيب، فكل مسمى من مسميات هذا العالم وكل ظاهرة من ظواهره يعود في حقيقته إلى تلك الحقائق العليا. فسواء قيل إن الله علّم آدم أسماء حججه وأهل بيت نبيه، أو قيل إنه علّمه أسماء كل شيء من خزائن الغيب، فالمؤدى واحد والحقيقة ذاتها.


أهل البيت وسائط الفيض الإلهي


وينبثق من هذه الحقيقة المعرفية الوجه الجلي في نزول الأقدار على شخص الإمام المعصوم في ليلة القدر. فأهل البيت عليهم السلام ليسوا مجرد بشر اصطفاهم الله للإمامة، بل هم وسائط الفيض الإلهي في هذا الوجود، الذين ينفذ من خلالهم كل ما يتدفق من رحمة الله وعطائه على مخلوقاته.


وتُلقي رواية جابر بن عبد الله الأنصاري الضوء على أبعاد هذه الحقيقة، إذ سأل رسول الله صلى الله عليه وآله: «أول شيء خلق الله ما هو؟»، فأجاب صلى الله عليه وآله: «نور نبيّك يا جابر، خلقه الله ثم خلق منه كل خير، ثم أقامه بين يديه في مقام القرب ما شاء الله، ثم جعله أقساماً، فخلق العرش من قسم، والكرسي من قسم، وحملة العرش وسكنة الكرسي من قسم، وأقام القسم الرابع في مقام الحب ما شاء الله... ثم نظر إليه بعين الهيبة فرشح ذلك النور وقطرت منه مائة ألف وأربعة وعشرون ألف قطرة، فخلق الله من كل قطرة روح نبي ورسول، ثم تنفست أرواح الأنبياء فخلق الله من أنفاسها أرواح الأولياء والشهداء والصالحين».


وهكذا يتجلى السر البديع في كون الملائكة والروح تتنزل على الإمام المعصوم في ليلة القدر، فهو بحكم مقامه الوجودي الرفيع وكونه وسيطاً للفيض الإلهي على الخلق أجمعين، المرجع الذي إليه تؤول أقدار العام وفيه تُودع أسرار الكون. ذلك أن كل ما يفيض على المخلوقات من رزق وأجل وشقاء وسعادة في تلك الليلة المباركة إنما يمر عبر وساطتهم صلوات الله عليهم أجمعين، فكانوا بذلك المحور الذي تدور حوله ليلة القدر، والقطب الذي تتنزل إليه أسرارها وأنوارها.


مشاركة: