الشيخ مصطفى الهجري
من الهدايات الدقيقة في القرآن الكريم أن الله تعالى لا
يكتفي بالنهي عن المعصية نفسها، بل يأمر أحيانًا بترك مساحة فاصلة بينها وبين
الإنسان، وكأن الوحي يريد للمؤمن أن يعيش في منطقة الأمان، لا على حافة السقوط.
وهذه الفكرة تظهر بجلاء في قصة آدم عليه السلام، حين قال الله تعالى: ﴿وَلَا
تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 35)، فلم
يقل: لا تأكلا منها فقط، بل قال: ﴿وَلَا تَقْرَبَا﴾. وهذا التعبير يكشف عن منهج
إلهي عظيم في تربية الإنسان: أن الوقاية من الذنب تبدأ بالابتعاد عن مقدماته، وعن
أجوائه، وعن المواطن التي تضعف فيها النفس وتستجيب للوسوسة.
إن الاقتراب من المعصية ليس أمرًا محايدًا، لأن النفس
البشرية ليست صلبة دائمًا، بل تتأثر وتتدرج. والشيطان لا يدفع الإنسان غالبًا إلى
السقوط دفعة واحدة، وإنما يزين له الخطوة الأولى، ثم الثانية، حتى يجد نفسه في قلب
ما كان يتصور أنه بعيد عنه. ولهذا جاء التعبير القرآني في مواضع أخرى مؤكدًا هذه
السنة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ
سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 32). فلم ينه عن الزنا وحده، بل عن قربانه، أي عن أسبابه
ومداخلِه ومقدماته. وكذلك قال سبحانه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾
(البقرة: 187)، لأن من اعتاد ملامسة الحدود أوشك أن يتجاوزها.
ومن هنا تنشأ قيمة الاحتياط في الدين، لا بمعنى التعسير
على النفس، بل بمعنى صيانتها. فالاحتياط هو أن يعرف المؤمن ضعفه البشري، فلا يعرّض
قلبه للفتنة، ولا يغامر بدينه، ولا يقول: أنا أملك نفسي. ومن أجمل ما ورد في هذا
المعنى قول أمير المؤمنين عليه السلام لكميل: «أخوك دينك، فاحتط لدينك بما شئت».
فالدين ليس أمرًا ثانويًا يمكن تعويضه إذا انكسر، بل هو أعز ما يملك الإنسان،
ولذلك كان من الحكمة أن يجعل بينه وبين أسباب الانحراف مسافة تحفظه.
وقد جسّد النبي صلى الله عليه وآله هذا المعنى بأبلغ
بيان، ففي الحديث: «إن لكل ملك حمى، وحمى الله محارمه، فمن رتع حول الحمى أوشك أن
يقع فيه». والصورة هنا بديعة جدًا؛ فالراعي إذا دار بغنمه قريبًا من الأرض المحمية
لم يأمن أن تنفلت منها شاة فتدخل الحمى، وكذلك الإنسان إذا دار بقلبه وجوارحه حول
مواطن الشبهة والمعصية، أوشك أن يقع فيما حرم الله. ولذلك جاء في بعض الروايات:
«فدعوا المشتبهات»**، لأن من تهاون بالمشتبه تدرج إلى المحرم، ومن استهان بالصغائر
هان عليه الكبائر.
ولهذا أيضًا وردت الوصية النبوية الجامعة: «دع ما يريبك
إلى ما لا يريبك». وهذه قاعدة عظيمة في صناعة السلامة القلبية؛ فالمؤمن ليس
مطالبًا فقط بأن يسأل: هل هذا حلال أو حرام؟ بل يسأل أيضًا: هل في هذا ريبة؟ هل
يورث قلقي الداخلي؟ هل يفتح بابًا مظلمًا في النفس؟ فإن كان كذلك، فتركه أولى
وأسلم. وهذا ينسجم مع الحديث المروي عن الإمام الرضا عليه السلام، عن آبائه، أن
النبي صلى الله عليه وآله قال لوابصة: «البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن به
الصدر، والإثم ما تردد في الصدر، وجال في القلب، وإن أفتاك الناس وأفتوك»**. فثمّة
نور في الفطرة إذا لم تطمسه الأهواء، يجعل الإنسان يشعر بأن بعض الطرق ليست
مأمونة، وأن بعض المناطق الروحية ينبغي ألا يقترب منها.
والحقيقة أن كثيرًا من السقوط الأخلاقي لا يبدأ بالفعل
الكبير، بل يبدأ بالتساهل الصغير: نظرة يظنها عابرة، أو مجلس يراه بريئًا، أو كلمة
يبررها، أو علاقة يزعم أنه يملك حدودها، أو مال مشتبه يقول: سأنظر فيه لاحقًا. ثم
إذا به يفقد قدرة التراجع. ولذلك كان الاحتياط عبادة عقلية وروحية، لأنه تعبير عن
التواضع أمام ضعف النفس، وعن تعظيم أمر الله، وعن فهم لطبيعة الانزلاق.
إن الله تعالى حين يقول لعبده: لا تقترب، فهو لا يضيّق
عليه، بل يرحمه. إنه يريد أن يحفظ قلبه قبل أن يتلوث، وإرادته قبل أن تضعف،
وبصيرته قبل أن تنطفئ. ومن رحمة الله أنه لم يجعل الطريق إلى النجاة معقدًا، بل
جعل من أسبابه أن يبتعد الإنسان عن مواطن الخطر، وأن يختار لنفسه بيئة الطاعة لا
أجواء الفتنة.
فحريّ بالمؤمن أن يبني في حياته هذه المسافات الآمنة:
في نظره، وسمعه، وعلاقاته، وماله، وخلواته، واختياراته اليومية. فليس العاقل من
يختبر قدرته على الوقوف عند الحافة، بل العاقل من يعرف أن النجاة في البعد عنها.
وهكذا يكون الاحتياط للدين ليس خوفًا سلبيًا، بل حكمة إيمانية، ووعيًا بأن **حمى
الله محارمه**، وأن من حفظ نفسه بعيدًا عن الحمى حفظ الله له قلبه ودينه.